لم يكن الفنان صلاح السعدني مجرد ممثل امتلك حضوراً مميزاً على الشاشة، بل كان صاحب رؤية فكرية وثقافية انعكست على اختياراته الفنية ومواقفه من المجتمع. وبين لقاءاته التلفزيونية النادرة وحواراته الصحفية، ترك «عمدة الدراما المصرية» مجموعة من الآراء والحكايات التي تكشف جوانب مختلفة من شخصيته، بداية من علاقته بالفنان عادل إمام، مرورًا برؤيته لدور الفن، وصولاً إلى انتقاداته لأوضاع المجتمع وصناعة الدراما.
ومع حلول ذكرى ميلاده في 23 أكتوبر، تعود هذه التصريحات لتسلط الضوء على جانب آخر من تجربة فنان لم يفصل بين موهبته الفنية واهتمامه بالشأن العام.
«نظرية الشبهية».. صلاح السعدني ينتقد غياب الأصالة
من أبرز الأفكار التي تحدث عنها صلاح السعدني في لقاء تلفزيوني قديم، ما أطلق عليه «نظرية الشبهية»، التي استخدمها للتعبير عن رؤيته لما اعتبره ميلاً إلى تقليد النماذج الموجودة في العالم، دون الوصول إلى مستوى الأصالة والتميز الحقيقي.
وقال السعدني: «نحن في مجتمعنا العربي، لدينا كرة شبه الكرة الموجودة في العالم، وفن شبه الموجود في العالم، ونظام شبه الموجود في العالم، لكن إحنا معندناش الأصل، عندنا الشبه من كل حاجة، وأتمنى ييجي الوقت اللي نكون فيه الأصل مش الشبه».
ولم تتوقف الفكرة عند الفن وحده، بل امتدت إلى الاقتصاد والزراعة ومختلف المجالات، إذ رأى أن امتلاك الأدوات والمؤسسات لا يعني بالضرورة تحقيق النجاح ما لم يصاحبه إنتاج حقيقي يحمل هوية مستقلة.
وتكشف هذه الرؤية عن اهتمام السعدني بقضايا الثقافة والهوية، ورغبته في أن يتجاوز الإبداع مجرد محاكاة التجارب الأخرى إلى تقديم نماذج أصيلة تعبّر عن المجتمع العربي واحتياجاته.
صلاح السعدني: الفن انعكاس للواقع وليس بعيدًا عن السياسة
وفي حوار صحفي، تحدث صلاح السعدني بصراحة عن العلاقة بين الفن والسياسة، مؤكداً أن السياسة لم تعد محصورة في القرارات الرسمية، بل أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
وقال في الحوار: «السياسة أصبحت في رغيف العيش اللي الناس واقفة عليه طوابير، وبيضربوا بعض في الشارع».
وربط السعدني بين الأوضاع الاجتماعية والأعمال الفنية التي ترصدها، مستشهداً بفيلم «بداية ونهاية» للمخرج صلاح أبو سيف، الذي تناول الفقر في المجتمع المصري، وفيلم «حين ميسرة» للمخرج خالد يوسف، الذي رصد جوانب من واقع المناطق الشعبية والمشكلات الاجتماعية.
وعن دور الفن، أوضح أن العمل الفني يستمد مادته من الواقع، لكنه لا يتولى بالضرورة حل المشكلات التي يعرضها، معتبرًا أن دوره يتمثل في رصد الأزمات والتنبيه إلى نتائجها، بينما تقع مسؤولية اقتراح الحلول على عاتق المسؤولين.
وتعكس هذه التصريحات اهتمام السعدني بالفن الذي يتجاوز الترفيه إلى قراءة المجتمع والتعبير عن همومه وتحولاته.
عادل إمام وصداقة البدايات.. كيف دخل السعدني عالم التمثيل؟
ومن الحكايات اللافتة التي رواها صلاح السعدني في لقاء سابق مع الكاتب والإعلامي الراحل مفيد فوزي، تفاصيل علاقته المبكرة بالفنان عادل إمام، التي بدأت خلال سنوات الدراسة الجامعية.
وأوضح السعدني أن عادل إمام كان من الأشخاص الذين شجعوه على دخول عالم التمثيل، بعدما لاحظ موهبته، واصطحبه إلى المسرح، ونصحه بالابتعاد عن الانشغال بالسياسة والتفرغ للفن.
وكانت هذه الحكاية واحدة من الذكريات التي أعادت الصحافة نشرها عقب رحيل السعدني في أبريل 2024، لتكشف عن دور الصداقة في تشكيل مسيرته الفنية، وعن بدايات جمعته بأحد أبرز نجوم الكوميديا والدراما المصرية.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها لا تروي فقط قصة صداقة بين نجمين، بل تستعيد مرحلة مبكرة سبقت وصولهما إلى المكانة التي احتلاها لاحقًا في تاريخ الفن المصري.
صلاح السعدني ونور الشريف.. ذكريات صداقة امتدت لسنوات
وفي لقاء نادر جمع صلاح السعدني بالفنان نور الشريف ضمن برنامج «لقاء الذكريات» عام 1989، استعاد الاثنان عددًا من المواقف التي جمعتهما في سنوات الشباب.
ومن أبرز تلك الحكايات موقف دعوة نور الشريف لصلاح السعدني إلى الإفطار في شهر رمضان بمنزل عمته في منطقة السيدة زينب، خلال فترة دراستهما. وعندما وصل السعدني، اكتشف نور الشريف أنه نسي إبلاغ عمته بالموعد، ولم يكن في المنزل سوى وجبة بسيطة من الفول بالطماطم.
وروى السعدني الموقف بروح مرحة، مستعيداً تفاصيل مرحلة اتسمت بالبساطة، قبل أن يصبح الاثنان من الأسماء البارزة في الدراما والسينما المصرية.
ويكشف اللقاء عن جانب إنساني من شخصية السعدني، الذي لم يقتصر حضوره على الأدوار الدرامية، بل امتلك قدرة على الحكي واستعادة الذكريات بروح تجمع بين التلقائية وخفة الظل.
القراءة والثقافة.. سر اتساع تجربة صلاح السعدني
وفي حوار نادر أجرته معه مجلة «الكواكب» عام 1975، تحدث صلاح السعدني عن أهمية القراءة في تكوين الممثل، مشيرًا إلى أن الاطلاع، خصوصًا في المجالات السياسية والتاريخية، يسهم في تعميق التجربة الإنسانية وتوسيع فهم الفنان للعالم المحيط به.
كما تناول الحوار رؤيته للتمثيل باعتباره قدرة ذاتية وإحساسًا يتطوران بالمعرفة والخبرة، وتحدث عن اهتمامه بالمسرح واختياره للنصوص المصرية التي تعبّر عن قضايا المجتمع.
وتوضح هذه الآراء أن اهتمام السعدني بالثقافة لم يكن منفصلًا عن عمله، بل ارتبط بفهمه للشخصيات التي يؤديها، وقدرته على التعبير عن بيئات اجتماعية مختلفة، وهو ما ظهر في أعمال مثل «ليالي الحلمية» و«أرابيسك».
انتقادات لصناعة الدراما وأجور النجوم
وفي حواره مع «المصري اليوم» عام 2010، تطرق السعدني كذلك إلى بعض المشكلات التي رأى أنها تؤثر في صناعة الدراما، ومنها التفاوت بين أجور النجوم وأجور الفنانين المشاركين في الأدوار الثانية والثالثة.
وكانت رؤيته أن توزيع ميزانيات الإنتاج بصورة غير متوازنة قد ينعكس على جودة العمل نفسه، في وقت تحتاج فيه الدراما إلى الاهتمام بجميع عناصرها، وليس فقط بالأسماء التي تتصدر الملصقات الدعائية.
كما تحدث عن تراجع المناخ الملائم للمسرح، مشيرًا إلى تأثير القيود المفروضة على بعض النصوص في انتقال عدد من المؤلفين إلى التلفزيون.
وتعكس هذه المواقف اهتمامه بمستقبل الصناعة الفنية وبالظروف التي يعمل في ظلها الممثلون والكتاب، بعيدًا عن الاكتفاء بالحديث عن نجاحاته الشخصية.
صلاح السعدني.. فنان ترك وراءه أسئلة تتجاوز أدواره
رحل صلاح السعدني في 19 أبريل 2024، عن عمر ناهز 80 عامًا، لكنه ترك وراءه تجربة فنية وفكرية تستحق إعادة القراءة، ليس فقط من خلال شخصياته الشهيرة، مثل العمدة سليمان غانم في «ليالي الحلمية» وحسن النعماني في «أرابيسك»، وإنما أيضًا من خلال آرائه التي عبّرت عن اهتمامه بالهوية والثقافة والسياسة وأحوال المجتمع.