تواصل مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية، بالتعاون مع مركز الأزهر العالمي للفلك الشرعي وكلية العلوم «بنين» بجامعة الأزهر بالقاهرة، فعاليات الدورة التدريبية المتخصصة في الفلك الشرعي، بمشاركة نخبة من العلماء والمتخصصين في علوم الفلك والمناخ.
وتستهدف الدورة تعزيز التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية، والاستفادة من التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة في ضبط الأحكام الفقهية المرتبطة بالمواقيت والأهلة والعبادات.
3 محاضرات علمية في اليوم الثالث من الدورة
شهد اليوم الثالث من فعاليات الدورة انعقاد ثلاث محاضرات علمية مكثفة، تناولت موضوعات مرتبطة بعلم المناخ والأرصاد وحركة القمر وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحسابات الفلكية.
وتناولت المحاضرة الأولى «علم المناخ والأرصاد الجوية وعلاقته بالظواهر الفلكية»، فيما ناقشت المحاضرة الثانية «البيانات الفلكية والنمذجة الحاسوبية في دراسة حركة القمر»، بينما ركزت المحاضرة الثالثة على «تطبيقات الذكاء الاصطناعي في حساب حركة القمر والحسابات الفلكية».
الفرق بين الطقس والمناخ وعلاقتهما بالظواهر الفلكية
وخلال المحاضرة الأولى، استعرض الأستاذ الدكتور طارق صياد، أستاذ المناخ التطبيقي ورئيس قسم الفلك والأرصاد الجوية السابق بكلية العلوم بنين بجامعة الأزهر، العلاقة العلمية بين الغلاف الجوي والأرصاد الجوية من ناحية، والظواهر الفلكية وحركة الأجرام السماوية من ناحية أخرى.
وأوضح الفرق بين الطقس والمناخ والتغير المناخي، مشيرًا إلى أن الأرصاد الجوية تختص بوصف حالة الطقس على المدى القصير، خلال أيام، وتعتمد على المحطات الأرضية والأقمار الصناعية، بهدف الإنذار المبكر واستطلاع الأهلة والملاحة.
في المقابل، يركز علم المناخ على دراسة المتوسطات والاتجاهات طويلة المدى، كما تناول أسباب التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية وانبعاثات الغازات الدفيئة، ومنها استخدام الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، مستعرضًا مؤشرات ارتفاع درجات الحرارة عالميًا ومحليًا في مصر.
ميل محور الأرض سبب تعاقب الفصول الأربعة
وتطرق الدكتور طارق صياد إلى العوامل الفلكية المرتبطة بحركة الأرض، موضحًا أن تعاقب الفصول الأربعة يرجع بصورة أساسية إلى ميل محور دوران الأرض أثناء دورانها حول الشمس، وليس إلى قرب الأرض من الشمس أو بعدها عنها.
كما شرح أسباب حدوث الانقلابين الصيفي والشتوي والاعتدالين الربيعي والخريفي، وتأثير التغير في الإشعاع وطول النهار على المناخ.
وتناول كذلك الفرق بين كسوف الشمس وخسوف القمر، موضحًا أن الكسوف يحدث عندما يمر القمر بين الشمس والأرض، بينما يحدث الخسوف عند دخول القمر في ظل الأرض.
وأكد عدم وجود علاقة سببية بين حدوث الكسوف أو الخسوف وبين الكوارث الأرضية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات، موضحًا أن ما يحدث أثناء الكسوف يتمثل في انخفاض مؤقت في مستوى الإشعاع والحرارة.
لا علاقة مباشرة بين أطوار القمر وسقوط الأمطار
وفنّد الدكتور طارق صياد الاعتقاد الشائع بوجود تأثير مباشر لأطوار القمر على هطول الأمطار.
وأوضح أن تأثير القمر يرتبط بالجاذبية وظاهرة المد والجزر في البحار والمحيطات، بينما يرتبط هطول الأمطار بعمليات تبخر المياه وتكاثف بخار الماء وحركة الكتل الهوائية والضغط الجوي.
واختتم محاضرته بالتأكيد على أهمية الرجوع إلى المتخصصين عند تفسير الظواهر الطبيعية والفلكية، والتمييز بين الحقائق العلمية والتفسيرات الشائعة، وعدم استخدام الظواهر الفلكية لتفسير التقلبات الجوية اليومية.
النمذجة الحاسوبية ودراسة حركة القمر
وفي المحاضرة الثانية، تناول الأستاذ الدكتور علي جمال، أستاذ الفيزياء الفلكية المساعد بكلية العلوم بجامعة الأزهر، الآليات العلمية والحاسوبية الحديثة المستخدمة في تتبع حركة القمر ودراسة ظروف رؤية الهلال.
وبدأ بشرح المنظومة الحركية للأرض والقمر والشمس، موضحًا أن المسافة بين الأرض والقمر ليست ثابتة، وأن سرعة القمر المدارية تتغير وفقًا لموقعه.
وأشار إلى أن الاعتماد على «عمر الهلال» فقط، أي الزمن المنقضي منذ الاقتران، لا يكفي حسابيًا لتحديد موقع الهلال الهندسي الدقيق بالنسبة إلى الشمس والأفق.
الاقتران لا يعني إمكانية رؤية الهلال
وفنّد الدكتور علي جمال الاعتقاد الشائع بأن أطوار القمر تحدث بسبب سقوط ظل الأرض عليه، موضحًا أن الأطوار تنتج عن التغير في الهندسة النسبية لرؤية الجزء المضاء من القمر، بينما يتسبب ظل الأرض في حدوث الخسوف فقط.
وأوضح أن «الاقتران» أو ولادة القمر فلكيًا يمثل وضعًا هندسيًا يمكن حسابه بدقة كبيرة، لكنه لا يعني بالضرورة إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة أو التلسكوب فورًا.
وأشار إلى أنه قد يحدث الاقتران قبل غروب الشمس، بينما يغرب القمر بعدها بفترة قصيرة جدًا، أو يكون ارتفاعه منخفضًا واستطالته صغيرة، بما يجعل رؤيته متعذرة.
خرائط عالمية لإمكانية رؤية الهلال
وأوضح الدكتور علي جمال أن النمذجة الحاسوبية تعتمد على تحويل الإحداثيات الاستوائية والكسوفية إلى إحداثيات أفقية مرتبطة بموقع الراصد على سطح الأرض.
وأشار إلى أهمية حساب «اختلاف المنظر القمري» والانكسار الجوي، نظرًا لقرب القمر من الأرض.
كما استعرض كيفية استخدام النماذج الرياضية والخوارزمية التي تجمع مجموعة من المتغيرات الهندسية، ومنها الاستطالة، والمكث، والارتفاع عند الغروب، وعرض الجزء المضاء، والفارق الرأسي والأفقي بين الشمس والقمر، لإنتاج خرائط تحدد إمكانية رؤية الهلال على مستوى العالم.
وأكد في ختام المحاضرة أن الحاسوب والنمذجة الرياضية يستطيعان تحديد موقع القمر وزواياه بدرجات عالية جدًا من الدقة، إلا أن الرؤية البصرية الفعلية تظل مرتبطة بعوامل الغلاف الجوي المتغيرة، مثل الغيوم والرطوبة والغبار والعوالق وشفق الغروب.
وأوضح أن ذلك يؤكد أهمية التكامل بين الحساب الفلكي الرقمي والرصد الميداني في التعامل مع المسائل الشرعية المرتبطة برؤية الأهلة.
الذكاء الاصطناعي ودوره في استطلاع الأهلة
وخلال المحاضرة الثالثة، تناول الدكتور أحمد حافظ، أستاذ ديناميكا الفضاء المساعد بكلية العلوم بجامعة الأزهر، دور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تعزيز دقة استطلاع الأهلة.
وأوضح أهمية التكامل بين الحسابات الفلكية والذكاء الاصطناعي والقرار الشرعي، مشيرًا إلى أن الحساب الفيزيائي المداري يحدد مواقع الأجرام السماوية ومجالات الاستحالة والإمكان، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في استشراف احتمالات الرؤية ومعالجة الصور الميدانية.
وأشار إلى أن القرار المؤسسي والشرعي يأتي في النهاية لبحث اعتبار الواقعة وإعلان بداية الشهر الهجري.
تطبيق عملي على هلال رمضان 1445هـ
واستعرض الدكتور أحمد حافظ عددًا من معايير الرؤية المعروفة التي تعتمد على متغيري «عرض الهلال» و«قوس الرؤية»، مطبقًا ذلك عمليًا على هلال رمضان 1445هـ.
وأوضح أن الحسابات الخاصة بالقاهرة ومكة أكدت وقوع الهلال في المنطقة «D»، التي تعذرت فيها الرؤية بالعين أو باستخدام الأجهزة، بينما انتقلت فرصة الرؤية البصرية إلى مناطق من الأمريكتين.
الشبكات العصبية لمعالجة صور الهلال
وتناول خبير ديناميكا الفضاء كيفية الاستفادة من الشبكات العصبية وتقنيات التعلم الآلي في تصفية الضوضاء الجوية وتجميع الإطارات، بهدف إظهار قوس الهلال الضعيف وسط خلفية الشفق الساطعة.
وشدد على ضرورة مراجعة الصورة الأصلية وتسلسل عمليات المعالجة، للتأكد من عدم وجود تزييف أو نتائج مضللة، مثل الخلط بين الهلال والغيوم أو الانعكاسات البصرية.
وحذر الدكتور أحمد حافظ من الاعتماد بصورة مطلقة على نسب الثقة التي تقدمها البرامج، مؤكدًا أهمية إجراء فحص علمي مستقل للنتائج.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة للترجيح والاستشراف، بينما يظل ثبوت الشهر مرتبطًا بالدليل الرقمي والميداني الموثق، إلى جانب القرار المؤسسي الشرعي الحاكم.
تأهيل الرصاد والباحثين الشرعيين
ويأتي البرنامج التدريبي في إطار حرص دار الإفتاء المصرية على تأهيل الرصاد والباحثين الشرعيين وتزويدهم بالمعارف العلمية الحديثة.
ويستهدف البرنامج دمج الحسابات الفلكية الدقيقة وعلوم الأرصاد الجوية مع المعايير الشرعية، بما يسهم في ضبط الأحكام الفقهية المتعلقة بالمواقيت والأهلة والعبادات.
كما يركز على توظيف أحدث التقنيات الرقمية في تعزيز دقة استطلاع الأهلة وتحديد أوائل الشهور الهجرية ومواقيت الصلاة، إلى جانب تصحيح المفاهيم الخاطئة وترسيخ المنهج العلمي في التعامل مع الظواهر الكونية.