في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بأسعار الذهب والدولار، هناك ثروة هادئة تنمو في صمت داخل الحقول المصرية، لا تصدر ضجيجا، لكنها تملأ خزينة الدولة بالعملة الصعبة.
إنها النباتات التي كان أجدادنا يستخدمونها في العلاج والشاي، وتحولت اليوم إلى صناعة كاملة، يتنافس عليها أكبر مصانع العطور والأدوية في العالم.
وتتصدر النباتات الطبية والعطرية قائمة الصادرات الزراعية المصرية في 2025، بعدما حققت أرقاما غير مسبوقة، وضعت مصر في مكانة جديدة على خريطة المنافسة العالمية.
ويستعرض "صوت"، من خلال هذا التقرير ماذا حدث في عام 2025 ليجعل العالم كله ينظر إلى الحقل المصري باحترام؟

رقم لم يتحقق من قبل
لأول مرة في تاريخ القطاع، تجاوزت قيمة ما باعته مصر من الأعشاب والنباتات العطرية وما يخرج منها من منتجات، حاجز 852 مليون دولار في عام واحد.
هذا الرقم لا يعني مجرد زيادة في البيع، بل يعني أن مصر أصبحت لاعبا أساسيا في سوق عالمي، لم تكن فيه مجرد هامش قبل سنوات قليلة.
واللافت أن هذه الثروة لا تحتاج إلى مصانع ضخمة من الأساس، بل تبدأ من 80 ألف فدان موزعة في قرى ومحافظات كثيرة، تزرع فيها محاصيل تبدو بسيطة، لكنها مطلوبة بشدة في الخارج.

لماذا قفزت الأرقام 3 مرات؟
إذا عدنا 3 سنوات فقط إلى الوراء، سنجد أن مصر كانت تصدر 50 ألف طن من الأعشاب المجففة، اليوم الرقم أصبح 150 ألف طن، أي أن الكمية تضاعفت 3 مرات كاملة.
ووصلت قيمة هذه الكمية وحدها إلى 310 ملايين دولار، وهو ما جعل مصر تحجز لنفسها المركز الرابع على مستوى العالم في هذا النوع من الصادرات.
السر ليس في الكمية فقط، بل في أن المستورد الأجنبي أصبح يثق في المنتج المصري، لأنه يلتزم بمواصفات صارمة في النظافة والتجفيف والتعبئة، وهي شروط لو لم تتحقق، لرفضت الشحنة من الأساس.

ليست كلها أعشاب للشاي.. هذه هي القائمة الذهبية
عندما نتحدث عن هذا القطاع، لا نتحدث عن نوع واحد، بل عن سلة كاملة من المحاصيل:البابونج، الذي يتحول إلى مشروبات مهدئة ومستخلصات طبية.
النعناع، الذي يدخل في كل شيء، من الحلوى إلى معجون الأسنان.
الريحان والبردقوش، وهما من أهم مصادر الزيوت العطرية.
اليانسون والشمر والكمون والكزبرة والكراوية، وهي توابل لا يستغني عنها أي مطبخ في العالم.
الكركديه، الذي أصبح مشروبا عالميا.
وفوق كل ذلك، هناك نجمان لا ينافسهما أحد: الياسمين والجيرانيوم، وهما المادة الخام لأغلى العطور في العالم.

قرية صغيرة تصنع عطر العالم
في محافظة الغربية، هناك قرية اسمها شبرا بلولة، لا يعرفها الكثيرون، لكنها معروفة في باريس ونيويورك، ففي هذه القرية، يستيقظ الأهالي فجرا لجمع أزهار الياسمين، التي لا تعيش إلا ساعات قليلة، ثم ترسل فورا إلى مصانع الاستخلاص، ليتحول عطرها في النهاية إلى زجاجات عطور فاخرة تباع بمئات الدولارات.
هذه القرية وحدها تختصر قصة القطاع كله: زراعة بسيطة، لكن قيمتها النهائية ضخمة.

الخطأ الذي يجب أن تتوقف عنه مصر
رغم كل هذا النجاح، هناك حقيقة يجب أن تقال: مصر حتى الآن تبيع أغلب إنتاجها في صورة خام أو مجفف، بينما المكسب الحقيقي يأتي بعد ذلك، فالفرز والتعقيم والتقطير والاستخلاص والتعبئة، كلها مراحل لو تمت داخل مصر، ستضاعف سعر المنتج أضعافا مضاعفة.
والزيوت الأساسية التي تخرج من هذه النباتات، هي التي تدخل في العطور والتجميل والأدوية والأغذية، وهي الصناعات التي تبحث عنها الشركات العالمية، وتدفع فيها أموالا طائلة، لذلك، فإن المستقبل ليس في زيادة المساحة المزروعة فقط، بل في بناء مصانع صغيرة ومتوسطة، تقوم بهذا التصنيع، وتوفر فرص عمل للشباب والمرأة في القرى.

من يشتري من مصر؟
الزبون الأول للمنتج المصري هو أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة، وهذه الأسواق لا تشتري بعشوائية، بل تضع شروطا قاسية تتعلق ببقايا المبيدات والرطوبة والتخزين، ومن يلتزم بها، يفتح له بابا لا يغلق.
الصعيد هو البطل الحقيقي
قد يظن البعض أن هذه الصناعة في الدلتا، لكن الحقيقة أن 93% من زراعة وتجهيز هذه النباتات موجود في صعيد مصر، وفقا لبيانات مشروع الابتكار الزراعي الألماني.
وهذا يعني أن هذه الصناعة ليست مجرد أرقام تصدير، بل هي مصدر رزق لآلاف الأسر في الصعيد، من الزراعة والحصاد، إلى التجفيف والتعبئة والتصدير.
بل إن التجارب الحديثة التي استخدمت الطاقة الشمسية والممارسات الزراعية الجديدة، رفعت الإنتاجية بنسبة 30% في بعض الأماكن، وهو ما يثبت أن التطوير يأتي بنتيجة سريعة.
وفي النهاية التي يجب أن نخرج بها، أن مصر لم تعد مجرد بلد يبيع أعشابا، بل هي على وشك أن تصبح مركزا عالميا لصناعة الزيوت والمستخلصات الطبيعية، إذا استثمرت في التصنيع، كما استثمرت في الزراعة.
كم كسبت مصر من الأعشاب الطبية في 2025؟
852 مليون دولار.
ما هو ترتيب مصر عالميا؟
الرابعة عالميا في الأعشاب المجففة.