«الفتاة ذات كاميرا لايكا» يفتتح آفاق في مهرجان فينسيا

صوت |
الأربعاء 02/09/2026 03:22 م
«الفتاة ذات كاميرا لايكا» يفتتح آفاق في مهرجان فينسيا
ح
حنين التوني

تستعيد المخرجة ألينا مارازي قصة المصورة الصحفية غيردا تارو في فيلمها «الفتاة ذات كاميرا لايكا»، الذي يفتتح قسم «آفاق» في مهرجان فينسيا السينمائي ويروي الفيلم حياة تارو التي قُتلت في ساحة المعركة وهي في السادسة والعشرين من عمرها، لتصبح أول مصورة صحفية تُقتل أثناء تأدية عملها قبل الاعتراف بإسهاماتها بعد عقود طويلة.

ونقلاً عن موقع «Variety» كانت مارازي على معرفة بأعمال تارو قبل صدور رواية الكاتبة هيلينا يانيشيك عنها عام 2018، وسرعان ما التقتا لمناقشة تحويل القصة إلى فيلم وشاركت فاليا سانتيلا في كتابة السيناريو بينما تجسد الممثلة «إيليا شوليه»، المعروفة بدورها الرئيسي في مسلسل «ماري أنطوانيت»، شخصية تارو في العمل.

File:The Girl with the Leica film poster.jpg - Wikipedia

فيلم «الفتاة ذات كاميرا لايكا» يعيد اكتشاف تارو

اختارت مارازي تغيير طريقة سرد القصة فجعلت الأحداث تُروى من وجهة نظر تارو نفسها بدلاً من الأسلوب الذي اتبعته الرواية، إذ اعتمدت يانيشيك على ذكريات ثلاثة من أصدقاء المصورة خلال اجتماع جمعهم في ستينيات القرن الماضي، ليستعيدوا تفاصيل حياتها وتجربتها ومسيرتها التي ظلت لفترة طويلة غير حاضرة بالشكل الكافي.

ويركز الفيلم على يوم 14 يوليو 1937 بالتزامن مع احتفالات العيد الوطني الفرنسي «الباستيل» الذي يرمز إلى الحرية. وتظهر تارو في باريس وهي تلتقي أصدقاءها، ومن بينهم حبيبها وزميلها المصور الصحفي أندريه فريدمان بينما تستعد للعودة إلى إسبانيا لتغطية الحرب الأهلية هناك، ومواصلة عملها في التصوير الصحفي.

ومن خلال مشاهد الفلاش باك يكشف الفيلم تفاصيل تعرف تارو، التي ولدت باسم غيرتا بوهوريل إلى أصدقائها بعدما التقت بعضهم في مدينة لايبزيغ، حيث كانوا ناشطين يساريين. ومع وصول النازيين إلى السلطة، اضطر هؤلاء الأصدقاء إلى الفرار لتبدأ مرحلة جديدة من حياتهم في ظل ظروف سياسية واجتماعية صعبة.

وفي باريس يتزايد اهتمام تارو بالتصوير الفوتوغرافي، وتتعاون مع فريدمان في ابتكار شخصية وهمية لمصور أمريكي تحمل اسم «روبرت كابا»، بهدف تسويق أعمالهما في السوق الأمريكية ونُسبت العديد من الصور التي التقطتها تارو إلى كابا، ما ساهم في طمس دورها الحقيقي بعدما تبنى فريدمان الاسم لنفسه لاحقاً.

Gerda Taro - Wikipedia

ومن خلال منظور تارو يرصد الفيلم الحياة الثقافية والفنية المحيطة بها في باريس خلال ثلاثينيات القرن الماضي، مع التركيز على مجتمع المهاجرين القادمين من أوروبا الشرقية والوسطى. واضطر كثير من هؤلاء اللاجئين إلى تبني أدوار وهويات جديدة من أجل البقاء، ومن بين معارفها المصوران فريد شتاين وديفيد «تشيم» سيمور.

وترى مارازي أن التصوير الفوتوغرافي لم يكن مجرد وسيلة لكسب المال بالنسبة إلى هؤلاء المهاجرين، بل منحهم فرصة لتطوير «لغة بصرية» خاصة بهم والتعبير عن رؤيتهم. أما سيمور، الذي ولد باسم داود شيمين فأصبح لاحقاً أحد مؤسسي وكالة «ماغنوم» عام 1947، إلى جانب كابا وهنري كارتييه بريسون وآخرين.

وكما حدث مع تارو لقي كل من سيمور وكابا حتفهما أثناء تأدية مهامهما في تذكير دائم بالمخاطر التي واجهها المصورون الصحفيون خلال عملهم في مناطق الصراعات، وفي عام 2007، أعيد اكتشاف ثلاثة صناديق تضم سلبيات فوتوغرافية التقطها تارو وكابا وسيمور خلال الحرب الأهلية الإسبانية، بعد فقدانها منذ عام 1940.

وأتاح اكتشاف تلك الصناديق إمكانية إعادة تقييم الدور الحقيقي الذي لعبته تارو في تطور التصوير الصحفي، بعدما ظلت مساهمتها لفترة طويلة غير واضحة بالشكل الكافي واعتمدت مارازي إلى جانب رواية يانيشيك على السيرة الذاتية الأولى لتارو التي كتبتها المؤرخة الألمانية إرم شابر، والتي قدمت تفاصيل إضافية حول نشاطها السياسي في ألمانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

كما أضافت سيرة شابر معلومات عن معارضة تارو لصعود القومية في ألمانيا إلى جانب عدد من أصدقائها اليساريين، ومن بينهم جورج كوريتزكيس ويقدم الفيلم كذلك رؤية أوضح لدوافع سفرها إلى إسبانيا خلال الحرب الأهلية، حيث كانت وفقاً لوصف مارازي، تأمل في المساهمة في تحقيق «مجتمع أفضل» من خلال مشاركتها في تغطية الأحداث.

كيف قدمت مارازي الجانب الإنساني من تارو؟

يرصد الفيلم أيضاً مظاهر الحرمان التي عاشتها تارو وصديقتها روث سيرف القادمة معها من لايبزيغ عند وصولهما للمرة الأولى إلى باريس، ورغم قسوة الظروف، ابتعدت مارازي عن تقديم تلك المرحلة بصورة قاتمة، واختارت بدلاً من ذلك عكس صورة «شباب بسطاء ومعدمين يحبون المرح والاستمتاع بالحياة» رغم الصعوبات التي واجهوها يومياً.

وبجانب التزام تارو السياسي يركز الفيلم على شخصيتها المرحة وخفة ظلها، حيث تظهر مع أصدقائها وهم يعيشون تفاصيل حياتهم اليومية، ويخوضون علاقات عاطفية ويقيمون صداقات قوية، وترى مارازي أن هذه الجوانب الشخصية كانت ضرورية لفهم تارو بصورة كاملة بعيداً عن اختزالها في دور المصورة الملتزمة سياسياً فقط.

وقالت مارازي إن تارو كانت شابة حيوية وجميلة وجذابة ولم تتخل عن حياتها الشخصية لكي تصبح مجرد مصورة قوية وملتزمة سياسياً، وأكدت أن الجمع بين الجانبين كان أمراً مهماً في رواية قصتها، مشيرةً إلى أن الإنسان في العشرينيات لا يكون شخصية مسطحة تؤمن فقط بضرورة القتال من أجل عالم أفضل.

وأضافت المخرجة أن هذه الرؤية ترتبط بطبيعة مرحلة العشرينيات من العمر حيث لا يمكن اختزال الإنسان في بُعدين فقط أو في موقف سياسي واحد، ولذلك حرصت على تقديم تارو كشخصية متكاملة، تجمع بين طموحاتها ومشاعرها وحياتها الخاصة والتزامها السياسي بما يعكس تعدد الجوانب الموجودة في تجربتها خلال تلك المرحلة.

ولم ترغب مارازي في تقديم «فيلم تاريخي تقليدي» ولذلك اختارت أن يتحدث الممثلون بطريقة معاصرة وترى أن تارو باعتبارها امرأة، تبدو شخصية قريبة من الحاضر في طريقة سعيها إلى تحديد هويتها، بينما تكتشف ذاتها تدريجياً خلال التجربة التي تمر بها وهو ما يمنح الشخصية بعداً إنسانياً معاصراً.

ولإبراز شخصية تارو المتألقة والمشاعر القوية التي تحملها استعانت مارازي بصور بصرية تعبيرية، من بينها الألعاب النارية التي تنفجر في الخلفية احتفالاً بيوم الباستيل وباقات الزهور الحمراء النابضة بالحياة التي أهداها لها فريدمان وقالت إنها سمحت لنفسها بالانجذاب إلى جمال تلك الصور، متأثرةً أيضاً بالسينما التجريبية والطليعية في ثلاثينيات القرن الماضي.

وترى المخرجة أن الفيلم يحمل صلة واضحة بالحاضر موضحةً أن هناك أوجه تشابه كثيرة بين ثلاثينيات القرن الماضي والوقت الحالي، خصوصاً مع صعود القومية اليمينية الذي يذكر بتلك الحقبة وأضافت أن مشاركة الصحفيين في صراعات مثل أوكرانيا وغزة تعيد إلى الأذهان تجربة الحرب الأهلية الإسبانية ومخاطر العمل الصحفي في مناطق النزاعات.

وأشارت مارازي إلى أن الصحفيين اليوم مثلما كان الحال في الماضي يسلطون الضوء على أن القيم الديمقراطية أصبحت على المحك، لافتةً إلى أن العديد من العاملين في مجال الإعلام لقوا حتفهم في كلا الصراعين، واختتمت حديثها بالتأكيد على أنه لو كانت غيردا تارو على قيد الحياة اليوم فمن المرجح أنها كانت في طريقها إلى أحد هذين المكانين.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً