أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا تناول فيه التداعيات الاقتصادية والصحية والبيئية لارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب الفرص التي يمكن أن تنشأ من التوسع في حلول التكيف المناخي.
وأوضح التحليل أن المستويات القياسية لدرجات الحرارة لم تعد مجرد موجات عابرة، وإنما تتجه تدريجيًا إلى التحول إلى «وضع مناخي جديد»، ما يجعل الحرارة عاملًا اقتصاديًا مؤثرًا في قرارات الاستثمار ومواقع الأنشطة الإنتاجية وتكاليف التشغيل وكفاءة البنية الأساسية وسلاسل الإمداد.
أشار مركز المعلومات إلى أن تصاعد المخاطر المناخية يدفع الشركات والمستثمرين إلى إعادة النظر في مواقع المشروعات وسلاسل التوريد، في ظل احتمالات تعرض البنية الأساسية للأضرار، وتعطل عمليات الإنتاج، وتراجع كفاءة العمال، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الكهرباء والمياه والتبريد.
وفي المقابل، يؤدي تزايد الحاجة إلى التكيف إلى ظهور «اقتصاد التكيف»، الذي يخلق أسواقًا جديدة أمام الشركات والمستثمرين في مجالات التبريد المستدام، والمباني المقاومة للحرارة، وإدارة المياه، والزراعة الذكية مناخيًا، والتكنولوجيا الصحية، والبنية الأساسية المرنة، والتقنيات المناخية والتمويل المستدام.
وأكد التحليل أن الاقتصادات والشركات التي تستثمر مبكرًا في المرونة والتكيف قد تحصل على ميزة تنافسية أكبر مع ارتفاع تكلفة المخاطر المناخية.
الأمن الغذائي يواجه ضغوطًا متزايدة
يمثل القطاع الزراعي أحد أكثر القطاعات تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة، إذ تشير التقديرات إلى أن ارتفاع الحرارة بنحو درجة مئوية واحدة فوق المستويات الملائمة قد يخفض إنتاجية بعض المحاصيل الرئيسية، مثل الذرة والقمح، بنسب تتراوح تقريبًا بين 4% و10%، مع زيادة احتياجاتها من المياه.
ولا تقتصر التأثيرات على المحاصيل، إذ يؤدي الإجهاد الحراري إلى تراجع إنتاجية الماشية والدواجن، من خلال تأثيره في معدلات النمو وإنتاج اللحوم والألبان والبيض، كما تمتد تداعيات ارتفاع حرارة البحار إلى الثروة السمكية والنظم البيئية البحرية؛ فقد تعرضت نحو 91% من مساحة محيطات العالم لموجة حر بحرية واحدة على الأقل خلال 2024.
وتتجمع هذه التأثيرات لتشكل ضغوطًا على الأمن الغذائي، نتيجة انخفاض إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية والسمكية، وتراجع قدرة العاملين في الزراعة على أداء أعمالهم، وزيادة الطلب على المياه، فضلًا عن احتمالات اضطراب سلاسل إمداد الغذاء.
تغير المناخ يهدد سلاسل الإمداد والمواني
تؤثر التغيرات في درجات حرارة مياه البحار والتيارات والرياح على كفاءة عمليات الملاحة واستهلاك الوقود، كما تزيد الظواهر الجوية المتطرفة من الضغوط التي تواجهها المواني وعمليات الشحن.
وأشار التحليل إلى ما أورده تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حول النقل البحري لعام 2024 بشأن تنامي المخاطر المناخية التي تواجه قطاع النقل البحري.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما شهدته قناة بنما منذ أواخر نوفمبر 2023، عندما أدى الجفاف الحاد إلى تقليص أعداد السفن التي تعبر القناة يوميًا، كما تواجه المنشآت الصناعية والبنية الأساسية تحديات متزايدة، خاصة عندما تتجاوز درجات الحرارة الحدود التي صُممت تلك الأصول للعمل في نطاقها.
ارتفاع الحرارة يضاعف الأعباء الصحية والاقتصادية
لا تقتصر تداعيات موجات الحر على النشاط الاقتصادي، وإنما تمتد بصورة مباشرة إلى صحة الإنسان.
ووفق تقرير «لانسيت» حول الصحة وتغير المناخ لعام 2025، الذي أُعد بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ارتفعت الوفيات المرتبطة بالموجات الحارة بنسبة 23% منذ تسعينيات القرن الماضي، ليبلغ متوسط الوفيات المرتبطة بالحرارة نحو 546 ألف حالة سنويًا، كما بلغت الخسائر الاقتصادية السنوية المرتبطة بالوفيات الناتجة عن التعرض للحرارة بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا نحو 261 مليار دولار في المتوسط خلال 2020–2024.
تؤدي درجات الحرارة المرتفعة، بالتزامن مع الجفاف، إلى زيادة جفاف الغطاء النباتي، ما يرفع احتمالات اندلاع حرائق الغابات ويزيد من تدهور التربة والموارد المائية، ويمثل ذلك تهديدًا لقدرة النظم البيئية، خصوصًا الغابات، على تخزين الكربون وتوفير خدمات بيئية ضرورية للقطاعات الزراعية والصحية والاقتصادية.
وخلال الفترة من 2001 إلى 2025، فقد العالم نحو 540 مليون هكتار من الغطاء الشجري، بما يعادل قرابة 14% من مساحة الغطاء الشجري المسجلة في عام 2000، ومن إجمالي هذه الخسائر، ارتبط نحو 160 مليون هكتار بحرائق الغطاء الشجري، بينما نتجت الخسائر الأخرى، التي بلغت نحو 380 مليون هكتار، عن عوامل مختلفة.
قطاع الطاقة تحت ضغط ارتفاع درجات الحرارة
يزيد ارتفاع درجات الحرارة الطلب على الكهرباء، لا سيما مع تصاعد الحاجة إلى استخدام أجهزة التبريد، في الوقت الذي قد تتراجع فيه كفاءة محطات التوليد وشبكات نقل الكهرباء بسبب الحرارة المرتفعة، ويؤدي ذلك إلى زيادة احتمالات ارتفاع الأحمال والضغط على الشبكات، بما قد يرفع مخاطر انقطاع الكهرباء خلال موجات الحر الشديدة.
وشهد صيف 2026 مثالًا على هذه التحديات في أوروبا، مع موجة الحر والانخفاض الحاد في منسوب نهر الدانوب، وهو ما تسبب في اضطرابات مرتبطة بتشغيل بعض محطات الطاقة التي تعتمد على مياه النهر لأغراض التبريد.
تكشف الأرقام عن تصاعد التكلفة الاقتصادية للكوارث والظواهر الجوية المتطرفة، إذ بلغت الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عنها نحو 304 مليارات دولار خلال 2024، بما يعادل قرابة 0.27% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 58.9% مقارنة بالمتوسط السنوي المسجل خلال الفترة من 2010 إلى 2014، ولم تكن نحو 55.7% من هذه الخسائر مغطاة بالتأمين، ما يعني تحمل الأسر والشركات والحكومات جزءًا كبيرًا من التكلفة.
وخلال النصف الأول من 2026، وصلت خسائر الكوارث الطبيعية إلى نحو 112 مليار دولار، لم تغط شركات التأمين سوى قرابة 44 مليار دولار منها.
يمتد التأثير الاقتصادي لارتفاع الحرارة إلى سوق العمل والإنتاجية، إذ أشار تقرير «لانسيت كاونت داون» لعام 2025 إلى أن العالم فقد خلال 2024 نحو 640 مليار ساعة عمل محتملة بسبب التعرض للحرارة، ويمثل ذلك ارتفاعًا بنسبة 98.1% مقارنة بمتوسط الفترة 1990–1999، ما يوضح حجم التحديات التي تواجه الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على العمالة في الأماكن المفتوحة.
وتزداد مخاطر انخفاض الإنتاج والدخل في القطاعات الأكثر تعرضًا للحرارة، مع انعكاس ذلك على أداء الشركات والأسر.
تجاوز 30 درجة مئوية يضغط على الإنتاجية
أظهرت دراسة «حرارة شديدة على النمو» الصادرة عن Allianz Research في مايو 2026 أن الأضرار الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع الحرارة تتزايد بصورة حادة عند تجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية، وبحسب الدراسة، تؤدي كل زيادة إضافية بمقدار درجة مئوية إلى خفض إنتاجية العمل بنحو 3% من متوسط الإنتاج العالمي في الساعة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الطاقة بنحو 1.2%.
ويخلق ذلك ضغوطًا مزدوجة على الشركات؛ إذ ترتفع تكاليف التشغيل والمدخلات في الوقت الذي تتراجع فيه إنتاجية العاملين، ما قد يؤثر على هوامش الأرباح ودخول الأسر ومستويات الاستهلاك.
تكشف المعطيات التي استعرضها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد ملفًا بيئيًا منفصلًا، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في النمو والاستثمار والإنتاجية والأمن الغذائي والطاقة والنقل والصحة، وفي المقابل، يتيح التوسع في حلول التكيف المناخي فرصًا اقتصادية جديدة في قطاعات التبريد المستدام، والمباني المرنة، وإدارة المياه، والزراعة الذكية مناخيًا، والتكنولوجيا الصحية، والبنية الأساسية المقاومة للمخاطر، والتقنيات المناخية، ومن ثم، فإن الاستثمار المبكر في المرونة المناخية لا يمثل فقط وسيلة للحد من الخسائر، وإنما يمكن أن يصبح عنصرًا أساسيًا في تعزيز تنافسية الشركات والاقتصادات وقدرتها على مواجهة المتغيرات المناخية خلال السنوات المقبلة.