كشف تحليل اقتصادي أجراه «مرصد الذهب» أن منظومة «الحوالات» المتداولة داخل سوق الذهب المصري تتجاوز كونها وسيلة تقليدية لتوفير الذهب بين التجار، إذ تؤدي من الناحية الاقتصادية دورًا قريبًا من آليات المقاصة والتسوية المعروفة في الأسواق المالية، مع اختلاف أساسي يتمثل في أن الذهب هو الأصل الذي تتم عليه التسوية بدلًا من الأموال.
ويقدم التحليل قراءة اقتصادية لطريقة عمل الحوالات باعتبارها إحدى الآليات المستخدمة في تسوية التعاملات داخل سوق الذهب، دون التطرق إلى الجوانب القانونية أو التنظيمية المرتبطة بها.
وأوضح «مرصد الذهب» أن هذه المنظومة نشأت وتطورت بصورة عرفية على مدار سنوات طويلة، حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من آلية عمل السوق، خاصة في التعاملات بين تجار الذهب الخام والمصنعين وتجار التجزئة، لما توفره من سرعة في تنفيذ المعاملات وتقليل الحاجة إلى نقل المعدن بصورة متكررة.
الحوالات في سوق الذهب المصري
يشهد سوق الذهب المصري بصورة يومية عددًا كبيرًا من عمليات البيع والشراء، إلا أن تنفيذ العديد من هذه التعاملات لا يتطلب انتقال الذهب فعليًا من مكان إلى آخر، حيث تعتمد أطراف السوق على منظومة «الحوالات» التي أصبحت من الممارسات المستقرة في القطاع، وتقوم الفكرة بصورة أساسية على تسوية حقوق والتزامات الأطراف من خلال تسجيل كمية محددة من الذهب لصالح طرف آخر، مع بقاء المعدن في حيازة الجهة التي تمتلك المخزون إلى حين الحاجة إلى تسليمه فعليًا.
فعلى سبيل المثال، عندما يبيع تاجر التجزئة كمية من الذهب لأحد العملاء، فإنه يحتاج عادة إلى تعويض الكمية التي خرجت من مخزونه حتى يحافظ على قدرته على مواصلة نشاطه التجاري، خصوصًا مع التغير المستمر في أسعار الذهب.
وفي هذه الحالة يتوجه التاجر إلى أحد تجار الذهب الخام لشراء الكمية المطلوبة، ولنفترض أنها 300 جرام، لكن الذهب لا يشترط أن ينتقل فعليًا إلى حيازة تاجر التجزئة، بل تظل الكمية لدى تاجر الذهب الخام.
بعد ذلك يتم إخطار المصنع أو الجهة المنتجة للمشغولات أو السبائك بوجود حوالة صادرة من تاجر الذهب الخام، وبعد التحقق من بياناتها، يمكن للمصنع تجهيز الكمية وتسليمها إلى التاجر المستفيد، وبهذه الطريقة تتم تسوية الالتزامات وانتقال حقوق الملكية بين أطراف التعامل، بينما لا يتحرك المعدن نفسه إلا عندما تكون هناك حاجة فعلية إلى التسليم.
ويربط «مرصد الذهب» ظهور هذه الآلية بطبيعة المعدن نفسه، فالذهب يتمتع بقيمة مرتفعة ويتأثر بصورة مستمرة بالأسعار العالمية، كما أن نقله المتكرر بين التجار والمصانع يترتب عليه تكاليف إضافية مرتبطة بالنقل والتأمين والتأمين الأمني، فضلًا عن المخاطر التشغيلية، ومن ثم وفرت السوق على مدار سنوات طويلة آلية تسمح بتسوية التعاملات ونقل حقوق ملكية الذهب دون تحريك المعدن مع كل صفقة، الأمر الذي ساعد على تسريع دورة التداول وتقليل المصروفات المرتبطة بحركة الذهب.
ومن المنظور الاقتصادي، يشبه «مرصد الذهب» منظومة الحوالات بأنظمة المقاصة والتسوية في الأسواق المالية، إذ لا يتطلب تنفيذ كل معاملة مالية انتقال النقد بصورة مادية بين أطرافها، وإنما تتم تسوية الحقوق والالتزامات من خلال نظام محدد.
والأمر ذاته يحدث في سوق الذهب، حيث يمكن أن تنتقل حقوق الملكية المرتبطة بكمية معينة من المعدن بين الأطراف، بينما يبقى الذهب لدى الجهة التي تحتفظ بالمخزون إلى أن يتم تنفيذ التسليم النهائي.
وتمنح هذه الآلية السوق قدرة أكبر على إدارة السيولة، خاصة في ظل الطبيعة السريعة لتغير أسعار الذهب، كما تساعد التجار على مواصلة نشاطهم دون الحاجة إلى توفير كميات مادية من المعدن عند كل مرحلة من مراحل التداول، ويحتل تاجر الذهب الخام موقعًا مهمًا في هذه العملية، باعتباره أحد المصادر الرئيسية للسيولة الذهبية التي يعتمد عليها باقي أطراف السوق، إذ يحتفظ بالمخزون الذي يمكن أن تتم عليه عمليات التسوية بين التجار والمصنعين.
وتعمل الحوالة في هذا السياق كأداة لإثبات استحقاق كمية معينة من الذهب ونقل حقوقها بين الأطراف، بما يسمح باستمرار عمليات البيع والشراء مع الحد من الحاجة إلى تحريك المعدن بصورة متكررة.
ويرى «مرصد الذهب» أن استمرار استخدام هذه الآلية لفترات طويلة يعكس قدرتها على التعامل مع احتياجات سوق سريع الحركة، كما ساهمت في تقليص الوقت والتكاليف المرتبطة بالتسوية ودعم سرعة دوران رأس المال، ورغم ذلك، تواجه منظومة الحوالات عددًا من التحديات، في مقدمتها اعتمادها بدرجة كبيرة على الثقة والعلاقات التجارية بين أطراف السوق، إلى جانب استخدام وسائل تقليدية في تسجيل وتوثيق جانب من المعاملات.
وقد تظهر هذه التحديات بشكل أكبر عند حدوث خلاف بين الأطراف أو تعثر أحد المتعاملين، خصوصًا في ظل عدم وجود سجل رقمي موحد يتيح تتبع جميع مراحل الحوالة وبياناتها بصورة واضحة وسريعة.
ولا يرى «مرصد الذهب» أن هذه التحديات تنتقص من أهمية الحوالات، وإنما يعتبرها فرصة لتطوير آلية العمل بما يتناسب مع متطلبات التجارة الحديثة، خصوصًا مع توسع الاعتماد على الحلول الرقمية في مختلف القطاعات الاقتصادية.
خطوة لتطوير تجارة الذهب دون تغيير طبيعة السوق
يطرح تحليل «مرصد الذهب» إمكانية الاستفادة من التطور المتسارع في التكنولوجيا المالية والتحول الرقمي من أجل تطوير منظومة الحوالات، مع الإبقاء على الأدوار التقليدية التي يقوم بها تجار الذهب الخام والمصنعون وتجار التجزئة.
ولا يستهدف هذا التصور تحويل الحوالات إلى معاملات مصرفية أو استبدال التجار بالمؤسسات المالية، وإنما يركز على نقل الحوالة نفسها إلى البيئة الرقمية بحيث تصبح عملية إلكترونية موثقة وقابلة للتتبع.
ويمكن لمنصة رقمية متخصصة أن تتولى تسجيل البيانات الأساسية لكل حوالة، ومنها كمية الذهب ووزنه وعياره وبيانات الطرف المحيل والطرف المستفيد وتاريخ إصدار الحوالة وحالتها وما إذا كانت قد تمت تسويتها أم لا.
ومن شأن وجود هذا السجل الرقمي أن يقلل احتمالات الخطأ في تسجيل البيانات، ويساعد على تسريع إجراءات التسوية، كما يمنح أطراف المعاملة وسيلة أكثر وضوحًا لمراجعة تفاصيل العمليات السابقة.
ويؤكد «مرصد الذهب» أن التحول الرقمي المقترح لا يعني التخلي عن النموذج التقليدي الذي نشأ داخل السوق، وإنما تطويره والاستفادة من التكنولوجيا في معالجة بعض التحديات التي تواجهه حاليًا.
وفي هذا السياق، يمكن لشركات التكنولوجيا المالية أن تلعب دورًا في إنشاء حلول رقمية متخصصة لإدارة الحوالات، على أن تظل عملية البيع والشراء والأدوار التجارية الأساسية في يد أطراف السوق، بما يحافظ على خصوصية طبيعة النشاط.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن الحوالات تمثل أحد المكونات الرئيسية التي ساعدت على استمرار تجارة الذهب في مصر، بعدما وفرت وسيلة سريعة لتسوية المعاملات بين تجار الخام والمصنعين وتجار التجزئة.
وأضاف أن أهمية الحوالات لا ترتبط فقط بتوفير الذهب، وإنما تمتد إلى إدارة السيولة ودعم استمرار دورة التداول في سوق تتغير أسعاره بصورة مستمرة، وهو ما يمنح التجار قدرة أكبر على مواصلة نشاطهم دون تعطيل حركة رأس المال.
وأوضح فاروق أن تطوير المنظومة لا يعني استبدالها أو تغيير طبيعة العلاقات التجارية القائمة عليها، وإنما يمكن أن يتمثل في تحويل الحوالة إلى مستند رقمي موثق يتيح تسجيل البيانات وتتبع مسار المعاملة بصورة أكثر كفاءة.
وأشار إلى أن التكنولوجيا المالية يمكن أن تساهم في تحقيق هذا التطور عبر منصات متخصصة لإدارة الحوالات، من دون أن تتحول تلك المنصات إلى طرف في التجارة أو تحل محل التجار، بما قد يساعد على تقليل النزاعات وتحسين مستوى التوثيق ورفع كفاءة السوق.
وأكد مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن الحوالات أصبحت على مدار عقود جزءًا من البنية الاقتصادية لسوق الذهب المصري، وأن مستقبلها لا يرتبط بإلغائها بقدر ما يرتبط بإمكانية تطويرها بما يتلاءم مع عصر الاقتصاد الرقمي، وبذلك يمكن أن تمثل رقمنة الحوالات مرحلة جديدة في تطور سوق الذهب المصري، تجمع بين الخبرة المتراكمة التي فرضتها طبيعة التجارة على مدار سنوات طويلة وبين الأدوات الرقمية الحديثة، بما يدعم سرعة التسوية ويحسن إدارة السيولة ويعزز القدرة على تتبع المعاملات.