يمثل السادس من أغسطس عام 2015 محطة بارزة في تاريخ مصر الحديث، حيث شهد افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة الذي أعاد رسم ملامح أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ففي هذا اليوم افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي المشروع رسميًا ووقع وثيقة بدء التشغيل الفعلي للمجرى الملاحي الجديد، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ القناة التي تربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وجاء افتتاح القناة الجديدة بعد عام واحد فقط من الإعلان عن المشروع، في خطوة استهدفت تعزيز قدرة الممر الملاحي على استيعاب الزيادة المتوقعة في حركة التجارة العالمية، وتقليل فترات انتظار السفن، ورفع كفاءة عمليات العبور من خلال توفير مسار ملاحي أكثر مرونة.
وخلال مراسم الافتتاح، شهد العالم مشهدًا استثنائيًا تمثل في عبور السفن داخل القناة الجديدة بالتزامن مع مرور سفن أخرى في القناة الأصلية، وهو ما عكس الهدف الأساسي من المشروع والمتمثل في زيادة الطاقة التشغيلية للقناة وتحسين خدمات النقل البحري.
وبدأت تفاصيل المشروع قبل عام من الافتتاح، عندما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في الخامس من أغسطس 2014 إطلاق مشروع قناة السويس الجديدة باعتباره أحد أكبر المشروعات القومية في مصر، بهدف تطوير المجرى الملاحي وتعزيز دور الدولة كمركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية.
ورغم أن فكرة إنشاء مجرى ملاحي موازٍ لقناة السويس كانت مطروحة منذ سنوات، فإنها انتقلت إلى مرحلة التنفيذ الفعلي عام 2014 بعد الانتهاء من الدراسات الفنية وإعادة تحديد المسارات بما يتناسب مع احتياجات الملاحة الدولية.
وشهد تنفيذ المشروع مشاركة واسعة من الشركات الوطنية والمهندسين والعمال الذين عملوا على مدار الساعة لإنجاز المشروع خلال فترة زمنية قياسية بلغت 12 شهرًا، وهو تحدٍ كبير مقارنة بحجم الأعمال الهندسية المطلوبة، وشمل المشروع إنشاء قناة جديدة موازية للمجرى الملاحي الأصلي بطول يقارب 35 كيلومترًا من الكيلو 60 إلى الكيلو 95 وفق ترقيم قناة السويس، بالإضافة إلى أعمال توسعة وتعميق مناطق البحيرات الكبرى والبلاح بطول 37 كيلومترًا، ليصل إجمالي أطوال مشروع الازدواج إلى نحو 72 كيلومترًا.
استقبال السفن العملاقة ودعم الاقتصاد المصري
ساهم مشروع قناة السويس الجديدة في تغيير أسلوب تشغيل الممر الملاحي، حيث ساعد على تقليل فترات انتظار السفن وتحسين حركة العبور في الاتجاهين، بعدما كانت بعض السفن تضطر إلى الانتظار داخل مناطق البحيرات حتى انتهاء مرور القوافل القادمة من الاتجاه الآخر.
وتطلب تنفيذ المشروع أعمالًا هندسية ضخمة تضمنت استخراج نحو 258 مليون متر مكعب من الرمال ضمن أعمال الحفر الجاف، بالإضافة إلى تنفيذ أعمال تكسيات امتدت لنحو 100 كيلومتر، إلى جانب أعمال التكريك التي وصلت إلى نحو 242 مليون متر مكعب بهدف الوصول إلى عمق يسمح بعبور السفن ذات الغاطس الكبير، واختارت الدولة تمويل المشروع من خلال شهادات استثمار قناة السويس التي طرحت للمواطنين، وشهدت إقبالًا واسعًا، في خطوة عكست مشاركة المصريين في أحد أبرز المشروعات القومية خلال السنوات الأخيرة.
وشهد حفل افتتاح القناة الجديدة حضور عدد كبير من قادة الدول والمسؤولين من مختلف أنحاء العالم، في تأكيد على المكانة الاستراتيجية لقناة السويس ودورها المحوري في حركة التجارة البحرية الدولية.
ولم تقتصر نتائج المشروع على إنشاء مجرى ملاحي جديد، بل امتدت إلى رفع القدرة التشغيلية للقناة وزيادة قدرتها على استقبال السفن الحديثة، حيث ارتفعت الطاقة الاستيعابية اليومية للقناة، وانخفضت فترات العبور والانتظار، كما أصبح مرور السفن ذات الغاطس حتى 66 قدمًا أكثر سهولة، وتكامل مشروع قناة السويس الجديدة مع خطة تنمية شاملة لمنطقة القناة تضمنت تطوير الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية، وإنشاء الأنفاق أسفل القناة، وتطوير وسائل الربط بين ضفتي القناة وسيناء، إلى جانب دعم مشروعات الاستثمار والتنمية في محافظات القناة.
واصلت هيئة قناة السويس خلال السنوات التالية تنفيذ خطط التطوير المستمر للمجرى الملاحي ورفع كفاءته التشغيلية، بما يعزز قدرة القناة على المنافسة عالميًا ودعم الاقتصاد المصري من خلال الإيرادات والخدمات المرتبطة بالنقل البحري، وبعد مرور سنوات على افتتاح قناة السويس الجديدة، أصبح المشروع أكثر من مجرد عملية حفر وتوسعة، حيث تحول إلى نموذج يعكس أهمية التخطيط والعمل الجماعي في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، ويظل شاهدًا على الدور الحيوي الذي تلعبه القناة في التجارة العالمية.