د. يسرى الشرقاوي يكتب.. خدعوك فقالوا «مسؤولية»

صوت |
السبت 31/10/2026 10:30 ص
د. يسرى الشرقاوي يكتب.. خدعوك فقالوا «مسؤولية»
د. يسرى الشرقاوي

خدعوك فقالوا «مسؤولية»

قامت فكرة المسؤولية المجتمعية على مبدأ بسيط، وهو أن تكون المؤسسة شريكاً في استقرار المجتمع، وليست مجرد أداة لتحقيق الربح. وقد عُرّفت بأنها التزام طوعي من الشركات بتحسين أوضاع العاملين والمجتمع والبيئة بما يتجاوز الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. ومن خلال هذه المسئولية يقوم القطاع الخاص بدور الفاعل المباشر عبر تخصيص جزء من أرباحه، بينما يضع القطاع الحكومي الإطار التشريعي والرقابي الذي يوجه تلك الموارد نحو الفجوات التنموية الحقيقية.

غير أن هذا المبدأ النبيل قد تعرض في الكثير من الدول النامية لتشويهٍ واسع، فقد تحول في بعض الحالات إلى غطاء لمصروفات تُمول أصلاً من المال العام، أو باب خلفي للتهرب الضريبي عبر تضخيم بنود الرعاية والدعاية، أو إلى «سبوبة» مؤتمرات تقتصر على الثرثرة، أو جمعيات خيرية تتكسب من حصص المسؤولية المجتمعية تحت ستار العمل الخيري مع وجود من يرخصون لها شرعياً أحياناً.

وتتفاقم الظاهرة حين تتشكل لوبيات وتحالفات من عناصر مرتادة للنوادي الفاخرة تنتمي إلى طبقة معينة، وتعمل في البنوك والمؤسسات شبه الحكومية وبعض الهيئات الربحية شبه الحكومية، وتتولى مسؤولية هذا الملف، فتتداخل العلاقات الشخصية واعتبارات المجاملة مع قرارات الصرف والتوجيه، مما يفرغ المبدأ من مضمونه ويستدعي تتبع هذه الشبكات وتشديد الرقابة عليها لكشف بؤر التسريب وتتبع تضارب المصالح.

ماذا تقول الأرقام؟ يبلغ حجم الاقتصاد العالمي نحو ١١٨ تريليون دولار في عام ٢٠٢٥، ويتوقع صندوق النقد الدولي (WEO - أكتوبر ٢٠٢٥) أن يصل إلى نحو ١٢٦ تريليون دولار في عام ٢٠٢٦، ويساهم القطاع الخاص في معظم الاقتصادات المتقدمة بأكثر من ثلثي الناتج. ويُعد تخصيص ١٪ على الأقل من الأرباح قبل الضريبة هو المعيار القياسي العالمي (توصية مؤسسة Charities Aid Foundation)، بينما تلزم الهند تشريعياً الشركات بتخصيص ٢٪، وإذا التزمت الشركات عالمياً بهذا الحد الأدنى مع توجيه حكومي شفاف، لأمكن ضخ عشرات المليارات سنوياً نحو الصحة والتعليم ومياه الشرب، بما يكفي للمساهمة في سد فجوة وصول أكثر من ٢,١ مليار شخص للمياه الآمنة، وتقليل وفيات الأطفال المرتبطة بسوء التغذية، وتوفير مقاعد دراسية لملايين الأطفال.

ويأتي هذا في سياق تجارب ناجحة، فوفقاً لمؤشر أهداف التنمية المستدامة (SDG Index) ومؤشرات الحوكمة، تتصدر الدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج وسويسرا وهولندا قائمة الدول التي حققت تكاملاً حقيقياً بين التزام الشركات والإطار الحكومي.

ماذا عن مصر؟ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لمصر نحو ٤٤٣ مليار دولار في عام ٢٠٢٦ وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، ويستحوذ القطاع الخاص على ما بين ٥٨٪ و٦٥٪ من إجمالي الاستثمارات المنفذة. وبافتراض أن صافي أرباح القطاع الخاص المنظم يتراوح بين ٤٥ و٥٠ مليار دولار، فإن التزاماً جاداً بمعيار ١٪ فقط يمكن أن يوفر ما بين ٤٥٠ و٥٠٠ مليون دولار سنوياً بشكل مستدام.

هذا الرقم ليس هامشياً. إنه يكفي لتمويل بناء وتشغيل ما بين ١٥٠ و٢٠٠ مدرسة جديدة سنوياً، بالإضافة إلى ما بين ٨ و١٢ مستشفى عام متوسط الحجم، بما يخفف الضغط المباشر على الموازنة العامة ويعيد التوازن لشبكات الحماية الاجتماعية.

ماذا نفعل؟ لكي تعود المسؤولية إلى مقصدها:

أولاً - المستوى التشريعي: إلزام الشركات المساهمة والبنوك بنشر تقرير "المسؤولية المجتمعية" بشكل سنوي مدقق من جهة مستقلة وربطه بخطط التنمية الوطنية، مع نص صريح يمنع احتساب مصروفات رعاية المؤتمرات والندوات والفعاليات الترفيهية ضمن وعاء المسؤولية المجتمعية أو ضمن الإعفاء الضريبي.

ثانياً - المستوى الرقابي: إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة تتبع لحظياً مسار صرف أموال المسؤولية المجتمعية وتربط الإنفاق بمؤشرات أثر قابلة للقياس، وربط أي حوافز ضريبية بتحقيق هذا الأثر لا بمجرد إثبات الإنفاق، مع تشديد الرقابة على الشبكات والعلاقات داخل المؤسسات شبه الحكومية والبنوك المسؤولة عن هذا الملف وتتبع حالات التداخل وتضارب المصالح.

ثالثاً - المستوى التنفيذي: تخصيص ما لا يقل عن ٦٠٪ من المحافظ لمشروعات مثلث الاحتياج الحقيقي (مياه الشرب، الصحة الأولية، التعليم الأساسي) في المحافظات الأكثر احتياجاً، وتدريب الكوادر الحكومية والخاصة على تقييم الأثر الاجتماعي، مع إقرار عقوبات رادعة تشمل الغرامات والمساءلة الجنائية في حالات التسريب أو سوء الاستخدام، ومحاسبة المسؤولين عن تسريب أو سوء استخدام هذه الأموال.

فالمسؤولية المجتمعية ليست بند علاقات عامة ولا تبرعاً موسمياً، بل هي عقد اجتماعي متعدد الأطراف إما أن تُدار بشفافية كاستثمار مباشر في استقرار هذا البلد، أو ستظل كما هي الآن: شعار جميل على بانر مؤتمر بين الشعارات، والمؤتمرات، والأحداث الجوفاء، والارتزاق من العمل العام أخرجنا المسؤولية المجتمعية من مقصدها الحقيقي.

حقاً.. خدعوك فقالوا مسؤولية !!!

اقرأ أيضاً