في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى تعظيم الاستفادة من إنتاجها الزراعي وزيادة فرص وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق العالمية، تبرز التمور المصرية باعتبارها أحد القطاعات التي تمتلك فرصًا كبيرة للنمو والتوسع، في ظل ما تتمتع به مصر من قاعدة إنتاجية ضخمة وتنوع في الأصناف، ومن هنا تأتي تجربة الدكتورة دينا المنزلاوي، الخبيرة الزراعية ومؤسسة نادي روتاري كايرو إنتربرينورز، التي تعمل على ربط الخبرة العلمية بالاستثمار والتسويق وريادة الأعمال، بهدف تحويل النخيل من مجرد محصول زراعي إلى فرصة اقتصادية أوسع.
وفي تصريح خاص لموقع «صوت»، أوضحت الدكتورة دينا المنزلاوي، وفقًا لما ورد في التفريغ، أن تطوير قطاع التمور المصرية لا يتوقف عند زيادة الإنتاج أو التوسع في زراعة النخيل، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تربط الزراعة بالتصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير، مع الاهتمام بفتح قنوات جديدة للتواصل مع الأسواق الخارجية والاستفادة من العلاقات الدولية في التعريف بالمنتج المصري.
إنتاج ضخم وفرص واعدة
تمتلك مصر قاعدة إنتاجية كبيرة في قطاع التمور، إذ تشير تقديرات وزارة الزراعة الواردة في المادة إلى أن الإنتاج السنوي يصل إلى نحو مليوني طن. وشهدت قيمة صادرات مصر من التمور، وفق بيانات التجارة الدولية للبند الجمركي HS 080410 الذي يشمل التمور الطازجة والمجففة، ارتفاعًا من نحو 52.2 مليون دولار عام 2021 إلى قرابة 146.9 مليون دولار عام 2025.
وتعكس هذه الأرقام تطورًا في قيمة الصادرات، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا للنقاش حول كيفية زيادة القيمة المضافة للمنتج المصري، وتحسين فرص المنافسة في الأسواق الخارجية، خاصة أن النجاح لا يعتمد على حجم الإنتاج وحده، بل يرتبط أيضًا بجودة المنتج ومواصفاته وقدرة الشركات على الالتزام بالكميات ومواعيد التوريد.
من العلم إلى الاستثمار
بدأ اهتمام دينا المنزلاوي بنخيل البلح من المجال العلمي، حيث حصلت على درجة الماجستير في زراعة الأنسجة النباتية لنخيل البلح عام 2015، ثم حصلت على الدكتوراه من جامعة بنها عام 2020 في التخصص نفسه.
ومع تطور خبرتها، امتد اهتمامها إلى دراسة الجدوى الاقتصادية لأصناف التمور ذات القيمة التجارية، ومن بينها البرحي والمجدول، مع التركيز على فرص إنتاجها وتسويقها في ضوء احتياجات الأسواق.
وتقوم هذه الرؤية على أن المعرفة العلمية يجب أن ترتبط باحتياجات المزارعين والمستثمرين والمصنعين والمصدرين، بحيث لا يتوقف الأمر عند إنتاج المحصول، وإنما يمتد إلى تحديد الصنف المناسب، ودراسة تكاليف الزراعة، ومعرفة متطلبات المستهلك، واختيار أساليب التسويق التي تساعد على تحقيق عائد اقتصادي أفضل.
امتلك نخلة بفكرة جديدة
ومن بين المبادرات التي ارتبطت بهذه الرؤية مبادرة «خضّر بلدك.. ازرع شجرة»، التي انطلقت من خلال بروتوكول تعاون بين روتاري التحرير ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، وبرزت من خلالها فكرة «امتلك نخلة».
وتقوم الفكرة على الجمع بين أصحاب الأراضي الذين لا تتوافر لديهم السيولة الكافية للزراعة، والأشخاص الذين يمتلكون رأس المال لكنهم لا يمتلكون أرضًا أو خبرة زراعية مباشرة، من خلال نموذج تعاون يحدد مسؤوليات كل طرف وحقوقه والعائد المتوقع وفق اتفاق واضح.
كما ترتبط الفكرة بإمكانية الاستفادة من النخيل في نماذج الاستثمار طويل الأجل والعمل المجتمعي، ومنها وقف النخيل الخيري، مع ضرورة وجود آليات واضحة للإدارة والتمويل وتوزيع العوائد، بما يحافظ على حقوق المشاركين ويضمن استدامة المشروع.
وتتصل هذه الرؤية بالتوسع في زراعة الأصناف ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، ومنها المجدول والبرحي، مع التأكيد على أهمية ربط التوسع الزراعي بدراسة احتياجات السوق وقدرات التصنيع والتعبئة والتصدير.
الروتاري بوابة للتعاون
وفي فبراير 2024، أسست دينا المنزلاوي نادي روتاري كايرو إنتربرينورز، بهدف الاستفادة من العلاقات المهنية والمجتمعية في دعم المبادرات التنموية وفتح مسارات للتعاون بين أصحاب المشروعات والخبراء والمنتجين.
وتستند الفكرة إلى الاستفادة من الانتشار الدولي لشبكة الروتاري، التي تضم آلاف الأندية في دول مختلفة، بما يتيح فرصًا للتواصل والتعريف بالمنتجات المصرية وتبادل المعلومات عن الأسواق، إلى جانب تنظيم لقاءات يمكن أن تجمع بين أصحاب الأعمال والجهات المهتمة بالتعاون التجاري.
ولا يعني ذلك أن العلاقات وحدها كافية لزيادة الصادرات، لكنها يمكن أن تمثل نقطة بداية للوصول إلى شركاء محتملين، بينما يتوقف تحويل هذه العلاقات إلى فرص تجارية فعلية على جودة المنتج والأسعار التنافسية والقدرة على التوريد والالتزام بالمواصفات المطلوبة.
قصة تتجاوز المحصول
وتشمل رؤية النادي مجموعة من المبادرات التي تتعامل مع التمور من زوايا مختلفة، من بينها «صحتك مهمتنا» للتوعية بالقيمة الغذائية للتمور والتراث المصري، و«تمبولا التمر» للتعريف بالأصناف المصرية من خلال تجربة تفاعلية، إلى جانب متجر التمور الخيري ومزاد التمور الخيري وكرنفال النخيل ورحلات ظلال النخيل.
كما تتضمن هذه الرؤية الاهتمام بزراعة الأنسجة من خلال مبادرة «النسيج الأخضر»، والعمل على تطوير منصة رقمية للتعريف بقطاع التمور وربط المزارعين والمصنعين والمصدرين والمستوردين، فضلًا عن دعم الشباب الراغبين في تأسيس مشروعات مرتبطة بالقطاع.
وتوضح هذه المبادرات أن تطوير صناعة التمور يحتاج إلى تكامل الجهود بين البحث العلمي والإنتاج والتصنيع والتسويق والعمل المجتمعي، بدلًا من التعامل مع كل مرحلة بصورة منفصلة.
القيمة المضافة هي الهدف
وتظل الفرصة الأساسية أمام قطاع التمور المصري في الانتقال من التركيز على حجم الإنتاج إلى زيادة القيمة الاقتصادية للمنتج، من خلال تطوير أساليب التعبئة والتغليف والتصنيع، وتحسين جودة الأصناف، وتوسيع فرص التسويق، وفتح قنوات جديدة للتصدير.
وتقدم تجربة دينا المنزلاوي نموذجًا لمحاولة الربط بين هذه المسارات، من خلال الجمع بين الخبرة العلمية والعمل المجتمعي والعلاقات المهنية وريادة الأعمال، مع بقاء قياس النتائج الفعلية مرتبطًا بما يتحقق على أرض الواقع من فرص تعاون ومشروعات وفرص عمل ومبيعات.
فالهدف ليس أن تنتج مصر كميات كبيرة من التمور فقط، وإنما أن تتمكن من تحقيق عائد أكبر من هذا الإنتاج، بما يدعم المزارع والمستثمر والشاب صاحب المشروع، ويعزز حضور التمور المصرية في الأسواق المحلية والدولية.