حذر الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، من انعكاسات إرتفاع سعر الدولار وأسعار النفط عالميًا على معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية في مصر خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن الضغوط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وخروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة قد تزيد من تكلفة الاستيراد وتفاقم الأعباء على الاقتصاد المصري.
وأوضح عبد الهادي، في تصريحات خاصة لموقع «صوت»، أن ارتفاع سعر الدولار لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التطورات الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أن زيادة أسعار النفط وارتفاع تكلفة الواردات من العوامل التي تضغط على سوق الصرف، وتنعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على أسعار السلع والخدمات داخل السوق المحلية.
ارتفاع أسعار النفط
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يرفع تكلفة استيراد المنتجات البترولية، وهو ما يزيد فاتورة الاستيراد على الدولة المصرية، ويضع ضغوطًا إضافية على موارد النقد الأجنبي.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الطاقة لا يقتصر تأثيره على المنتجات البترولية فقط، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، في ظل ارتباط تكاليف النقل والإنتاج والتشغيل بأسعار الوقود والطاقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الفترة المقبلة.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار النفط من المستويات المقدرة في الموازنة العامة للدولة، والتي أشار إلى أنها تبلغ نحو 75 دولارًا للبرميل، إلى مستويات تتجاوز 110 دولارات، يمثل ضغطًا على الإنفاق العام، خاصة فيما يتعلق بتكلفة توفير المنتجات البترولية واحتياجات السوق المحلية.
خروج الأموال الساخنة
وفيما يتعلق بأسباب ارتفاع الدولار، أوضح عبد الهادي أن خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، المعروفة باسم «الأموال الساخنة»، يمثل أحد العوامل المؤثرة في سوق الصرف، لافتًا إلى أن تحركات المستثمرين ترتبط بتطورات التضخم العالمي واتجاهات أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
وأضاف أن اتجاه المستثمرين إلى الأسواق التي توفر عوائد أعلى قد يؤدي إلى خروج جزء من استثماراتهم من الأسواق الناشئة، وهو ما يزيد الضغوط على موارد النقد الأجنبي، بالتزامن مع ارتفاع احتياجات الاستيراد وتزايد حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الإقليمية.
وأكد أن تزامن هذه العوامل قد ينعكس على سعر الدولار أمام الجنيه المصري، بما يزيد تكلفة الحصول على السلع والمواد الخام المستوردة، ويؤثر على مستويات الأسعار في السوق المحلية.
موجة تضخم جديدة
وحول احتمالات ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة، أكد الخبير الاقتصادي أن زيادة سعر الدولار وارتفاع أسعار الطاقة يمثلان عاملين رئيسيين في زيادة الضغوط التضخمية، موضحًا أن ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج قد يدفع الشركات إلى تحميل جزء من هذه الزيادة على المستهلك النهائي.
وأضاف أن استمرار الضغوط على الأسعار قد يضع السياسة النقدية أمام تحديات جديدة، في ظل احتمالات إعادة تقييم مستويات أسعار الفائدة وفقًا لتطورات التضخم والظروف الاقتصادية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار قد يؤثر كذلك على عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات.
وشدد على أن تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار لا يساعد في خفض التضخم، بل قد يؤدي إلى زيادته، نتيجة ارتفاع تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، مؤكدًا أن العلاقة بين ارتفاع الأسعار والتضخم ترتبط بتطورات العرض والطلب وتكلفة الإنتاج وحركة سعر الصرف.
التوترات تزيد الضغوط
وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة تمثل مصدرًا إضافيًا للضغوط على الاقتصاد المصري، في ظل تأثر الأسواق العالمية بالتطورات السياسية والعسكرية، وما قد ينتج عنها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وأوضح أن الاقتصاد المصري يتأثر بالتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، باعتبار أن حركة التجارة وأسعار الطاقة وتدفقات الاستثمار ترتبط ببعضها البعض، لافتًا إلى أن استمرار هذه التوترات قد ينعكس سلبًا على مستويات الأسعار وتكاليف النشاط الاقتصادي.
حلول لمواجهة الأزمة
وطرح الخبير الاقتصادي مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها قد تساعد في الحد من تأثير ارتفاع الدولار وأسعار الطاقة على الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها ترشيد الاستيراد، مع إعطاء الأولوية للسلع والمواد الخام اللازمة للإنتاج، بدلًا من الاعتماد على استيراد منتجات يمكن توفير بدائل محلية لها.
كما دعا إلى زيادة الاعتماد على المنتجات المحلية، والتوسع في الصناعة والإنتاج والتصدير، إلى جانب تشجيع إنشاء الشركات المنتجة وزيادة الرقعة الزراعية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد السلع الزراعية وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.
وأكد أن تعزيز الإنتاج المحلي يمثل أحد المسارات المهمة لتقليل تأثر الاقتصاد المصري بالتقلبات العالمية، مشيرًا إلى أن التوسع في الإنتاج والصناعة والزراعة يمكن أن يساعد في تخفيف الضغوط التضخمية، ودعم قدرة الاقتصاد على مواجهة ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة.

ويذكر أن تحركات سعر الدولار وأسعار الطاقة عالميًا تظل من العوامل التي تؤثر في تكلفة الواردات ومستويات الأسعار محليًا، فيما يتوقف حجم انعكاساتها على السوق المصرية على تطورات أسعار النفط وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج والسياسات الاقتصادية المتبعة خلال الفترة المقبلة.