قبل اختراع الثلاجات.. سر وضع الأوروبيين ضفادع حية في الحليب للحفاظ عليه

صوت |
الأحد 18/10/2026 06:23 م
قبل اختراع الثلاجات.. سر وضع الأوروبيين ضفادع حية في الحليب للحفاظ عليه
أرشيفية

قبل انتشار الثلاجات ووسائل حفظ الطعام الحديثة، لجأت المجتمعات القديمة إلى طرق متعددة لإطالة عمر الأطعمة والحد من تلفها، لكن إحدى أغرب هذه الممارسات ارتبطت بالحليب في مناطق من شمال أوروبا وروسيا، حيث تحدثت روايات تاريخية عن وضع ضفادع حية داخل أوعية الحليب، اعتقادًا بأن ذلك يساعد على إبقائه صالحًا للاستهلاك مدة أطول.

ورغم غرابة هذه العادة، فإنها أثارت اهتمام الباحثين بسبب الخصائص البيولوجية التي يتمتع بها جلد بعض أنواع الضفادع، والذي ينتج مركبات طبيعية قد تؤثر في بعض أنواع البكتيريا والفطريات، ما فتح المجال أمام دراسة العلاقة المحتملة بين الممارسات الشعبية القديمة والخصائص العلمية للبرمائيات.

روايات من شمال أوروبا وروسيا

كان الحفاظ على الحليب الطازج تحديًا كبيرًا للمجتمعات الزراعية قبل ظهور تقنيات التبريد، إذ يمكن أن يفسد سريعًا نتيجة نمو الكائنات الدقيقة، خصوصًا في الظروف الدافئة، وهو ما دفع السكان إلى ابتكار وسائل مختلفة للحفاظ على الطعام وتقليل الفاقد.

ومن بين الممارسات التي تناولتها روايات تاريخية وضع ضفدع حي داخل إناء الحليب، وهي عادة ارتبطت بمناطق من شمال روسيا وفنلندا، وبالضفدع البني المعروف علميًا باسم Rana temporaria.

كما تناولت دراسة منشورة عام 2013 في دورية «Journal of Ethnobiology and Ethnomedicine» ممارسات تقليدية لدى شعب السامي، استنادًا إلى توثيقات تاريخية، وأشارت إلى روايات عن استخدام الضفادع في أوعية الحليب في مناطق من شمال أوروبا وروسيا.

ومع ذلك، فإن توثيق هذه الروايات لا يعني أن هذه الممارسة كانت شائعة بين جميع السكان، أو أن فعاليتها في حفظ الحليب قد ثبتت علميًا.

ماذا يخفي جلد الضفادع؟

بدأ التفسير العلمي المحتمل لهذه الظاهرة يتضح مع دراسة الإفرازات الجلدية لدى بعض أنواع الضفادع، إذ تعيش البرمائيات في بيئات رطبة قد تساعد على نمو البكتيريا والفطريات، ويؤدي جلدها دورًا مهمًا في حمايتها من بعض العوامل الممرضة.

ويحتوي جلد أنواع معينة من الضفادع على ببتيدات ومركبات حيوية تمتلك خصائص مضادة لبعض الميكروبات، وتختلف فاعلية هذه المواد باختلاف نوع الضفدع وتركيب الإفرازات والكائنات الدقيقة المستهدفة.

وتجذب هذه المركبات اهتمام الباحثين لما قد توفره من فرص لفهم آليات الدفاع الطبيعية لدى البرمائيات، فضلًا عن إمكانية الاستفادة منها مستقبلًا في أبحاث تطوير مواد ذات تطبيقات طبية وميكروبيولوجية.

لكن وجود مركبات مضادة للميكروبات في جلد الضفادع لا يعني بالضرورة أن جميع أنواعها تمتلك الخصائص نفسها، كما لا يثبت أن هذه الإفرازات تستطيع حفظ الحليب أو جعله آمنًا للاستهلاك.

هل كانت الضفادع تمنع فساد الحليب؟

على الرغم من وجود تفسير بيولوجي محتمل وراء هذه العادة، فإن إثبات فعاليتها يتطلب تجارب مباشرة تقيس تأثير الإفرازات الجلدية في الكائنات الدقيقة الموجودة بالحليب، وتحدد مدى استمرار هذا التأثير تحت ظروف التخزين المختلفة.

كما أن فساد الحليب لا يرتبط بنوع واحد من الميكروبات، إذ قد تتسبب فيه كائنات دقيقة مختلفة، بعضها يؤدي إلى تغير الرائحة والطعم والقوام، بينما قد يشكل بعضها الآخر خطرًا صحيًا حتى دون ظهور علامات واضحة للتلف.

ولهذا، لا يمكن اعتبار الروايات التاريخية دليلًا كافيًا على نجاح هذه الطريقة، ولا يصح الجزم بأن الضفادع كانت تمنع فساد الحليب اعتمادًا على الخصائص المضادة للميكروبات التي اكتشفها العلماء في بعض إفرازاتها.

لماذا لا تصلح هذه الطريقة اليوم؟

رغم الاهتمام العلمي بالمركبات الطبيعية التي تنتجها البرمائيات، فإن وضع ضفدع حي داخل الحليب ليس وسيلة آمنة أو موثوقة لحفظه، إذ يمكن أن يؤدي إدخال حيوان إلى الطعام إلى تلوثه، كما أن الإفرازات الطبيعية لا تضمن القضاء على البكتيريا الضارة أو منع تكاثرها.

ويظل التبريد السليم، والتعامل الصحي مع الحليب، واستخدام وسائل الحفظ المعتمدة، من أهم الإجراءات اللازمة للحد من نمو الميكروبات والحفاظ على سلامة الغذاء.

وتكشف هذه العادة التاريخية عن جانب مثير من محاولات الإنسان القديمة لفهم الطبيعة والاستفادة من خصائص الكائنات الحية، لكنها تؤكد أيضًا أهمية التمييز بين الممارسات الشعبية التي تستحق الدراسة، والوسائل التي تثبت التجارب العلمية فعاليتها وسلامتها.

اقرأ أيضاً