حين تُعرض الإنجازات ويُسألونك عن المعيشة!! تُقبل الدولة على منتدى حوار موسع ستعرض خلاله الحكومة ما تحقق من تقدم في عدد من الملفات الاقتصادية، تنفيذًا لتوجيه رئاسي. يأتي هذا المنتدى في لحظة يزداد فيها التباين بين ما تُظهره المؤشرات الكلية وما يشعر به المواطن في إنفاقه اليومي. الحكومة تُدير أعباء دين مرتفعة وتستكمل إصلاحات لم تُغلق بعد، بينما يضيق هامش التحمل لدى قطاع واسع من الأسر بفعل ارتفاع التكاليف وامتداد نمط استهلاكي يصعب مقاومته.
رسالة إلى الحكومة
المؤشرات الكلية تحسنت في بعض جوانبها، لكن هذا التحسن لا يُترجم تلقائيًا إلى تخفيف الضغط على الأسر. النمو بلغ نحو 5.1% في العام المالي 2025/2026، والتضخم الحضري انخفض إلى 13.9% في سبتمبر، والاحتياطيات الأجنبية اقتربت من 57 مليار دولار، وتحقق فائض أولي يقارب 4.9% من الناتج. في المقابل، يظل الدين الخارجي قرب 165 مليار دولار، وتكلفة خدمته مرتفعة، وعجز الحساب الجاري وصل إلى 22.5 مليار دولار في العام المالي الأخير. هذه الأرقام تعني أن القدرة على التوسع في الإنفاق الاجتماعي لا تزال محدودة. المواطن لا يتابع نسب الدين إلى الناتج، بل يتابع ما إذا كان دخله يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية دون اللجوء المستمر إلى التقشف القسري. استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والسكن والنقل، حتى مع تباطؤ التضخم، يجعل الشعور بالتحسن الكلي ضعيفًا. لذلك، ينبغي أن يركز الحوار على تحديد أدوات عملية لحماية القوة الشرائية خلال الفترة الانتقالية، لا على عرض ما تم فقط.
يُقترح أن تُعلن الحكومة خلال المنتدى آلية واضحة لإعادة تخصيص جزء من أي موارد إضافية تتحقق نحو دعم مباشر ومؤقت للسلع الغذائية الأساسية والطاقة للأسر متوسطة ومحدودة الدخل، مع الحفاظ على مسار خفض الدين. كما يُفضل إلزام الجهات المعنية بنشر تقدير ربع سنوي لأثر القرارات السعرية والإدارية على سلة الإنفاق الشهرية للأسر، حتى يصبح المواطن قادرًا على توقع التكلفة بدل مفاجأته بها. وتسريع تبسيط إجراءات التوسع في المشروعات الإنتاجية المحلية يظل أولوية، لأنه يزيد العرض ويقلل الاعتماد على الاستيراد ويخفف الضغط على الأسعار. الحوار سيكون ذا قيمة إذا أنتج التزامات محددة وقابلة للمتابعة، لا إذا اكتفى بإعادة سرد الإنجازات.
"رسالة إلى الشعب"
الضغط المعيشي الذي يشعر به كثير من المواطنين حقيقي، ولا يُلغيه تراجع معدل التضخم أو تحسن بعض المؤشرات الكلية. الأسعار لم تنخفض، بل تباطأت وتيرة ارتفاعها بعد سنوات من الزيادات المتراكمة، بينما تظل تكاليف السكن والطاقة والنقل مرتفعة. في الوقت نفسه، يساهم نمط الاستهلاك السائد في تعميق الأزمة؛ إذ يستمر كثيرون في الإنفاق على سلع وخدمات غير أساسية تحت ضغط اجتماعي وإعلاني مستمر، مما يرفع الطلب على العملة الأجنبية ويضعف قدرة الأسرة على الادخار أو مواجهة الطوارئ. التمييز بين ما هو ضروري وما يمكن تأجيله أصبح مطلبًا عمليًا لا مجرد نصيحة. ترشيد الإنفاق على المستورد غير الأساسي، وتوجيه الموارد نحو الغذاء والصحة والتعليم، يخفف العبء على ميزانية الأسرة وعلى الاقتصاد في آن واحد. المشاركة في الحوار الموسع بمطالب واضحة وواقعية أكثر فائدة من الاكتفاء بالشكوى، لأن أي تحسن مستدام يحتاج إلى وعي مشترك بين من يضع السياسات ومن يتحمل نتائجها يوميًا.
وفي الختام نوصي بربط مخرجات الحوار بمؤشر ربع سنوي يقيس القدرة الشرائية للأسر متوسطة الدخل ويُنشر بانتظام. ويُقترح تخصيص شريحة محددة من أي تحسن مالي لدعم السلع الأساسية بشكل مباشر ومؤقت. كما ينبغي دعم مبادرات ترشيد الاستهلاك بحوافز ادخار واضحة وبسيطة. وأخيرًا، يُفضل أن يصاحب أي قرار مالي جديد تقدير مسبق لأثره على ميزانية الأسرة، حتى يتحول الحوار إلى أداة متابعة عملية لا مجرد منصة لعرض الإنجازات.