قال الدكتور يسري الشرقاوي، الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، إن السيارة لم تكن وحدها التي فقدت صفتها «المعمرة»، مؤكدًا أن الثلاجة التي كانت تُورَّث، والغسالة التي كانت تخدم لمدة عقدين كاملين، والبوتاجاز الذي كان يُصلَح ولا يُرمى، سلكت المسار نفسه الذي سلكته سيارة الركوب بعد الخروج من عصر «بيجو 504» طرازات 1979 وأوائل الثمانينيات.
وأوضح الشرقاوي أن الخلل في القطاعات المختلفة يبدو واحدًا، ويتمثل في تسريع دورة الاستبدال على حساب الخامة والمحرك وقابلية الإصلاح، وهو ما أدى إلى أن الأسرة أصبحت تشتري الأصل مرتين أو ثلاثًا وأحيانًا أكثر خلال عمر الجيل الواحد.
الشرقاوي: تضخم الإنتاج لا العمر التشغيلي
وأشار إلى أنه على مدى خمسين عامًا، تضخم الإنتاج وليس العمر التشغيلي، موضحًا أن إنتاج المركبات عالميًا ارتفع من نحو 58 مليون وحدة عام 2000 إلى قرابة 93 مليونًا عام 2024.
وأضاف أن الصين قفزت من إنتاج نحو 149 ألف مركبة عام 1978 إلى أكثر من 27 مليون سيارة ركوب بحلول عام 2024، بما يمثل نحو 40% من إنتاج العالم.
ولفت الشرقاوي إلى أن الأجهزة المنزلية الكبرى شهدت بدورها توسعًا كبيرًا، إذ بلغ حجم السوق نحو 570 مليون وحدة عام 2024، مع توقع ارتفاعه إلى نحو 639 مليونًا بحلول عام 2028.
54 مليار دولار سوق الغسالات والمجففات
وأوضح أن قيمة سوق الغسالات والمجففات تُقدَّر بنحو 54 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة سوق الثلاجات المجمعة نحو 51 مليار دولار.
وأشار إلى أن العالم استهلك نحو 368 مليون وحدة من الأفران والطابخات الكهربائية خلال عام 2024، بينما تنتج الصين وحدها قرابة 80% من هذه الفئة.
وبالنسبة للسوق المصرية، أكد الشرقاوي أن سوق الأجهزة المنزلية يُقدَّر بعدة مليارات من الدولارات سنويًا، بينما تستحوذ الثلاجات وحدها على نحو ثلث إيرادات القطاع.
تراجع العمر التشغيلي للغسالات 45%
وقال الشرقاوي إن اتساع الأسواق وزيادة الإنتاج أصبحا يعكسان توسعًا عدديًا أكثر منه تحسنًا في المتانة والجودة، مشيرًا إلى أن قصر العمر التشغيلي للمنتجات يظهر في الأرقام وليس فقط في انطباعات المستهلكين.
وأوضح أن متوسط عمر الغسالة في دراسات طويلة الأجل تراجع من نحو 19.2 سنة إلى 10.6 سنوات، بانخفاض يصل إلى 45%.
كما تراجع عمر الفرن والبوتاجاز من نحو 23.6 سنة إلى 14.3 سنة، بنسبة انخفاض بلغت 39%.
وأضاف أن الثلاجة الحديثة تدوم غالبًا بين 10 و15 سنة، بمتوسط معلن يقارب 14 سنة، بعدما كانت أجيال سابقة تتجاوز 20 عامًا في الخدمة الفعلية.
السيارات الحديثة لم تعد مصممة لخدمة ربع قرن
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن سيارة الركوب الحديثة بدورها لم تعد تُصمَّم لخدمة شاقة تمتد إلى ربع قرن، كما كان الحال مع الطرز الميكانيكية القديمة.
وأكد أن القاسم المشترك بين السيارات والأجهزة المنزلية يتمثل في أربعة عناصر رئيسية، هي: صاج أرق، ومواتير أضعف، ولوحات إلكترونية غير قابلة للإصلاح الرخيص، وقطع غيار أغلى من الجهاز المستعمل.
وأوضح أن ارتفاع تكلفة الإصلاح وقطع الغيار يمثل عاملًا أساسيًا في تسريع قرار الاستبدال، إذ يجد المستهلك نفسه في بعض الحالات أمام تكلفة إصلاح تقترب من قيمة المنتج المستعمل أو تتجاوزها، فيصبح شراء منتج جديد هو الخيار الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
الأسرة تشتري المنتج أكثر من مرة خلال عمر الجيل
وشدد الشرقاوي على أن تسارع دورة الاستبدال لا يمثل مجرد تغير في سلوك المستهلك، وإنما يفرض تكلفة إضافية متكررة على الأسرة.
وقال إن المنتج الذي كان يُشترى مرة واحدة ويستمر لسنوات طويلة أصبح في حالات عديدة يُعاد شراؤه مرتين أو ثلاثًا، وأحيانًا أكثر، خلال عمر الجيل الواحد، وهو ما يرفع إجمالي ما تنفقه الأسرة على السلع المعمرة.
وأضاف أن القضية لا تتعلق فقط بعدد الوحدات التي تنتجها المصانع أو حجم المبيعات، وإنما بالعمر التشغيلي الفعلي للمنتج، وقدرته على الاستمرار، وتكلفة إصلاحه، وتوافر قطع الغيار بأسعار مناسبة.
التطور التكنولوجي لا يجب أن يعني قصر العمر
وأكد الشرقاوي أن التطور التكنولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقصير العمر التشغيلي للمنتجات، مشيرًا إلى أهمية تحقيق التوازن بين تحسين الكفاءة وإضافة الخصائص التكنولوجية الجديدة من ناحية، والحفاظ على جودة الخامات وقابلية الإصلاح وإطالة عمر المنتج من ناحية أخرى.
ولفت إلى أن الاعتماد المتزايد على المكونات واللوحات الإلكترونية قد يجعل بعض الأعطال أكثر تكلفة في الإصلاح، خصوصًا عندما تكون المكونات غير قابلة للصيانة الاقتصادية أو يصعب استبدالها بصورة منفردة.
سوق الأجهزة المصرية أمام تحدي الجودة والعمر
وأشار إلى أن أهمية هذه القضية تتزايد في السوق المصرية، في ظل وصول حجم سوق الأجهزة المنزلية إلى عدة مليارات من الدولارات سنويًا، مؤكدًا أن تراجع العمر التشغيلي يعني زيادة متكررة في الإنفاق الأسري، سواء من خلال شراء منتجات جديدة أو تحمل تكاليف إصلاح وقطع غيار مرتفعة.
وأوضح أن تقييم الصناعة يجب ألا يقتصر على حجم الإنتاج والمبيعات، وإنما يجب أن يشمل أيضًا عدد سنوات الخدمة التي يقدمها المنتج، ومدى قابليته للإصلاح، وتكلفة صيانته، وتوافر قطع غياره، وما إذا كان المستهلك يستطيع الاحتفاظ به لفترة طويلة أم يضطر إلى استبداله سريعًا.
الشرقاوي: السؤال ليس كم ننتج ولكن كم عامًا يخدم المنتج؟
وشدد الدكتور يسري الشرقاوي على أن السؤال لم يعد فقط: «كم وحدة تنتج الصناعة وتبيع؟»، وإنما أيضًا: «كم عامًا تستطيع هذه الوحدة أن تعمل بكفاءة، وكم تبلغ تكلفة إصلاحها، وهل يستحق إصلاحها اقتصاديًا أم أن تصميمها وتكلفة مكوناتها يدفعان المستهلك إلى التخلص منها واستبدالها؟».
وأكد أن المقارنة بين السيارات والأجهزة المنزلية تكشف تحولًا أوسع في طبيعة المنتجات، بعدما أصبحت دورة الاستبدال أسرع، في وقت كانت فيه أجيال سابقة من هذه المنتجات تُصنف باعتبارها «معمرة» وتستمر في الخدمة لعقود.
واختتم الشرقاوي بالتأكيد على أن زيادة الإنتاج العالمي واتساع الأسواق لا ينبغي أن يكونا المعيار الوحيد للحكم على تطور الصناعة، مشددًا على ضرورة وضع العمر التشغيلي، وجودة الخامات، وقابلية الإصلاح، وتكلفة قطع الغيار ضمن مؤشرات تقييم جودة المنتجات، بما يضمن ألا يتحول التطور الصناعي إلى عبء إضافي ومتكرر على ميزانية الأسرة.