الدكتور يسري الشرقاوي يكتب...سقوطُ الإتقانِ

صوت |
السبت 12/09/2026 01:07 م
الدكتور يسري الشرقاوي يكتب...سقوطُ الإتقانِ
الدكتور يسري الشرقاوي

كانتِ المهنةُ في مصرَ عهداً اجتماعيّاً صامتاً قبلَ أن تكونَ وظيفةً. كانَ المدرّسُ يصونُ هيبةَ الفصلِ، وسائقُ التاكسي يصونُ المركبةَ والراكبَ، والسبّاكُ لا يبرحُ مكانهُ حتى يستوي الوصلُ، والميكانيكيُّ يضعُ اسمهُ على الإصلاحِ كأنَّهُ توقيعُ ضمانٍ، والممرّضُ يضبطُ الجرعةَ والموعدَ، وعاملُ المصنعِ يدركُ أنَّ القطعةَ الرديئةَ تخرجُ اسمَ المصنعِ من السوقِ. حتى الساعي وماسحُ الأحذيةِ كانا يبيعانِ الانتظامَ والسمعةَ قبلَ أن يبيعا الخدمةَ. كانَ الإتقانُ معياراً أخلاقيّاً: التزاماً في الموعدِ، وجودةً في العملِ، وخشيةً حقيقيةً من سقوطِ الاسمِ....ثمَّ وقعَ التجريفُ؛ دخلتِ الفهلوةُ والفوضى والاستسهالُ موضعَ الصنعةِ، حتى صارتِ الاستعانةُ بفنيِّ صيانةٍ مقامرةً يوميةً لا عقدَ ثقةٍ.

يظهرُ الأثرُ أولاً في الحياةِ العامةِ. يدفعُ المواطنُ مرتينِ: مرةً ثمنَ الخدمةِ، ومرةً ثمنَ إصلاحِ ما أُفسدَ. يتحولُ الوقتُ الضائعُ في المواعيدِ المخلفةِ، وإعادةِ العملِ، والنزاعِ على الضمانِ، إلى تكلفةٍ خفيةٍ في البيتِ والمستشفى والمصنعِ والمدرسةِ. إذا انهارَ إتقانُ المدرّسِ تراجعَ الانضباطُ داخلَ الفصلِ؛ وإذا انهارَ إتقانُ الفنيِّ تحولتِ الصيانةُ إلى سلسلةِ أعطالٍ؛ وإذا انهارَ إتقانُ السائقِ والممرّضِ تآكلَ الأمانُ اليوميُّ.  المجتمعُ الذي لا يقدّسُ المهنةَ يفقدُ أداةَ المحاسبةِ غيرِ المكتوبةِ: سمعةَ الحرفيِّ. وفي المقابلِ صنعتِ العمالةُ الفلبينيةُ في السوقِ السعوديِّ علامةَ جودةٍ عمليةً؛ فالسيارةُ المستعملةُ تُباعُ أحياناً بضمانِ الوكالةِ أو بضمانِ مركزِ صيانةٍ يحظى فيهِ الفنيُّ الفلبينيُّ بثقةٍ أعلى من مركزِ الصيانةِ العشوائيِّ. المسألةُ  هنا ليست جنس بشري أو تصنيف دولي، بل سوقاً يكافئُ الإتقانَ ويعاقبُ التسيّبَ. لم تفقدْ مصرُ الحرفيينَ عدداً بقدرِ ما فقدتْ شهادةَ السوقِ التي كانتْ تجعلُ اسمَ المهنيِّ ضماناً قائماً بذاتهِ.

تربطُ الأرقامُ هذا الانحدارَ بالاقتصادِ ربطاً مباشراً. وفقَ مراجعةِ منظمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ لعامِ ٢٠٢٦، تراجعتْ إنتاجيةُ العملِ في الصناعةِ التحويليةِ المصريةِ من نحوِ ٩٠٪ من متوسطِ دولِ المنظمةِ في عامِ ٢٠١٠ إلى ٦٦٪ في عامِ ٢٠٢٣؛ أي أنَّ الفجوةَ اتسعتْ بدلَ أن تضيقَ، والإنتاجيةُ المنخفضةُ تعني ناتجاً أقلَّ من الساعةِ نفسِها، وأجوراً أضعفَ، ومنتجاً أقلَّ قدرةً على المنافسةِ. ويُقدَّرُ أنَّ التشغيلَ غيرَ الرسميِّ يستوعبُ نحوَ ٦٧٪ من إجماليِّ المشتغلينَ، ويرتفعُ بينَ الشبابِ إلى قرابةِ ٩١٪. 

قد يوفّرُ الاقتصادُ غيرُ الرسميِّ رزقاً سريعاً، لكنَّهُ يُضعفُ الرقابةَ، ويُسقطُ الضمانَ، ويُخرجُ المهنةَ من دائرةِ التدريبِ والشهادةِ والمساءلةِ ،والنتيجةُ هنا على الناتجِ المحليِّ الإجماليِّ واضحةٌ: نموٌّ يقومُ على التوسعِ العدديِّ أكثرَ ممَّا يقومُ على جودةِ ساعةِ العملِ، وقاعدةٌ ضريبيةٌ أضيقُ، وتكلفةٌ أعلى لإعادةِ العملِ والفاقدِ ورداءةِ المنتجِ.

يحملُ التعليمُ الفنيُّ – وهو المصنعُ المفترضُ للإتقانِ – تناقضاً حادّاً ، يلتحقُ بهِ أكثرُ من مليوني طالبٍ، غيرَ أنَّ نتيجةَ الدبلوماتِ الفنيةِ في إحدى الدوراتِ الأخيرةِ بلغتْ نسبةُ نجاحٍ عامةٍ قرابةَ ٧٠٫٥٪، وهبطتْ في مسارِ الإعدادِ المهنيِّ إلى نحوِ ٣٢٫٥٪. ومعنى ذلكَ أنَّ مسارَ المهنةِ نفسهِ يخرجُ أعداداً غيرَ مهيأةٍ لمصنعٍ حقيقيٍّ ،وفي الوقتِ ذاتهِ انخفضَ الإنفاقُ على التعليمِ إلى نحوِ ١٫٧٪ من الناتجِ في موازنةِ ٢٠٢٤/٢٠٢٥، بعدَ أن كانَ أعلى من ٢٪ قبلَ سنواتٍ، مع عجزٍ مزمنٍ في المعلمينَ وارتفاعِ كثافةِ الفصولِ. وقدانخفضتِ البطالةُ الكليةُ إلى نحوِ ٦٫٢٪ في أواخرِ عامِ ٢٠٢٥، لكنَّ بطالةَ الحاصلينَ على مؤهلٍ جامعيٍّ بقيتْ قربَ ١٢٫٦٪؛ أي أنَّ الشهادةَ لا تتحولُ تلقائيّاً إلى مهارةٍ قابلةٍ للبيعِ،  فالفجوةُ ليستْ نقصَ خريجينَ، بل نقصَ صنعةٍ.

في سباقِ التنافسيةِ المهنيةِ تتقدمُ اليومَ منظوماتٌ ثابتةٌ لا شعاراتٍ موسميةً. احتلتْ سنغافورةُ المركزَ الأولَ في مؤشرِ التنافسيةِ العالميةِ للمواهبِ لعامِ ٢٠٢٥، بفضلِ ربطِ التعليمِ بسوقِ العملِ وإعادةِ التأهيلِ المستمرِّ. وحلَّتْ سويسرا الثانيةً عالميّاً، وهي تاريخيّاً في الصدارةِ في جودةِ التدريبِ المهنيِّ، والتدريبِ أثناءِ العملِ، وقابليةِ تشغيلِ الخريجِ ،وما تزالُ ألمانيا المرجعَ في النظامِ المزدوجِ: فالطالب يقضي أيامٌاً في المدرسةِ وأيامٌاً في المصنعِ، وعقدُ تلمذةٍ يحملهُ الحرفيُّ كهويةٍ. أمَّا اليابانُ فقد رسّختْ ثقافةَ إتقانِ التصنيعِ المتراكمِ: الجودةُ تُبنى داخلَ المصنعِ لا بالشهادةِ وحدَها. وبنتْ كوريا الجنوبيةُ تنافسيتَها على الانضباطِ الصناعيِّ وربطِ التعليمِ التقنيِّ بسلاسلِ التصديرِ. القاسمُ المشتركُ بينَ هذهِ الدولِ الخمسِ ليسَ ارتفاعَ الأجرِ وحدَهُ، بل أنَّ السوقَ لا يشتري «مَن يشتغلُ»، بل يشتري معياراً: وقتاً، وجودةً، وضماناً، واسماً يمكنُ ملاحقتُهُ.

ولتعودُ قيمةُ الإتقانِ إذا انتقلتْ من الموعظةِ إلى أداةِ تنفيذٍ. هناك عشرُ توصياتٍ تطبيقيةٍ: أولاً، رخصةٌ مهنيةٌ إلزاميةٌ متجددةٌ لكلِّ حرفةٍ تمسُّ حياةَ الناسِ، من السباكةِ والكهرباءِ إلى التمريضِ والصيانةِ.  ثانياً، نظامُ تلمذةٍ مزدوجٍ ملزمٍ في المصانعِ المعتمدةِ لمدةٍ لا تقلُّ عن سنتينِ.  ثالثاً، نشرُ تقييماتٍ علنيةٍ للجودةِ والضمانِ عبرَ سجلٍّ مهنيٍّ إلكترونيٍّ يراجعهُ المواطنُ قبلَ التعاقدِ.  رابعاً، ربطُ دعمِ المشروعاتِ الصغيرةِ بالحصولِ على اعتمادِ جودةٍ، لا بعددِ العمالةِ وحدَها.  خامساً، رفعُ أجرِ المعلمِ الفنيِّ ومدربِ المصنعِ وربطُهُ بنتيجةِ الخريجِ في سوقِ العملِ لا بدرجةِ الامتحانِ وحدَها.  سادساً، إلزامُ شركاتِ الصيانةِ بضمانٍ مكتوبٍ ومددِ إصلاحٍ ملزمةٍ، مع عقوبةٍ على تكرارِ العطلِ نفسهِ.  سابعاً، إدماجُ أخلاقياتِ المهنةِ والانضباطِ في ساعاتِ التدريبِ العمليِّ بنسبةٍ لا تقلُّ عن ربعِ المنهجِ. ثامناً، تحفيزُ الانتقالِ من العملِ غيرِ الرسميِّ إلى الرسميِّ عبرَ التأمينِ والتدريبِ مقابلَ الالتزامِ بالمعيارِ.  تاسعاً، استيرادُ نماذجِ التشغيلِ لا العمالةِ وحدَها، عبرَ شراكاتٍ معاهدَ سويسريةٍ وألمانيةٍ ويابانيةٍ داخلَ المصانعِ المصريةِ. عاشراً، حملةُ سمعةٍ وطنيةٍ تجعلُ اسمَ الحرفيِّ أصلاً اقتصاديّاً يُحمى ويُكافأُ ويُحاسَبُ.

اذن فالإتقانُ ليسَ حنيناً إلى الماضي بل هو الفرقُ بينَ اقتصادٍ يبيعُ ساعةَ عملٍ رخيصةٍ واقتصادٍ يبيعُ ثقةً قابلةً للتصديرِ. مَن فقدَ المهنةَ فقد فقدَ أرخصَ أدواتِ النموِّ: الجودةَ التي لا تحتاجُ بياناً صحفيّاً، لأنَّها تظهرُ في المسمارِ المضبوطِ، وفي الدرسِ المنتظمِ، وفي المنتجِ الذي يعودُ كما وُعدَ.

لم تسقطْ المهنةُ لنقصِ الأيدي، بل لسقوطِ "عقدِ الإتقانِ" الذي كانَ يربطُ الاسمَ بالسمعةِ والسمعةَ بالرزقِ ، الأرقامُ قاسيةٌ: إنتاجيةٌ تراجعتْ إلى ٦٪، و٦٧٪ عمالةٌ غيرُ رسميةٍ، و١٢٫٦٪ بطالةُ جامعيينَ رغمَ أن هناك مليوني طالبٍ فنيٍّ. المواطنُ يدفعُ مرتينِ: ثمنَ الخدمةِ وثمنَ إصلاحِها، والاقتصادُ يدفعُ فاتورةَ الرداءةِ في الناتجِ والضرائبِ والمنافسةِ.  إن عودةُ الإتقانِ قرارٌاً مؤسسيٌّاً من خلال أن نجعلَ اسمَ الحرفيِّ أصلاً اقتصاديّاً يُحمى ويُحاسَبُ، فتتحولَ ساعةُ العملِ الرخيصةِ إلى ثقةٍ قابلةٍ للتصديرِ.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً