الدكتور يسري الشرقاوي يكتب...ما وراء الأزمة !!

صوت |
السبت 19/09/2026 01:55 م
الدكتور يسري الشرقاوي يكتب...ما وراء الأزمة !!
الدكتور يسري الشرقاوي
ك
كاتب

لا يختلف عاقلان على أن الاقتصاد المصري يتحمّل منذ عام ٢٠١٩ ضغوطاً خارجية مكتملة الأركان: اضطرابات جيوسياسية متلاحقة، ونزاعات إقليمية ودولية، وتقلبات في الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد وأسعار الفائدة. كل هذه عوامل قاسية على العالم كله، ومصر جزء لا يتجزأ منه. إلا أن الاكتفاء بها يُبقي التشخيص معلّقاً في الهواء؛ لأن ما وراء الأزمة "هيكل إداري مترهّل"، و"جزر منعزلة" داخل الوزارات والهيئات المختلفة، وضعف في ربط الأجر بالإنجاز، ورقمنة لم تكتمل بعد لأكثر من عشر سنوات، وإنتاجية حكومية لا توازي حجم الجهاز الإداري ولا تطلعات الدولة، فتتحوّل الجهود الوطنية نفسها إلى طاقة مهدورة قبل أن تبلغ الأسواق.

ووفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية يقترب القطاع العام في مصر من ٥،٦ ملايين مشتغل، أي نحو خمس قوة العمل. الرقم وحده لا يدين أحداً؛ فالإدانة في عدم العدالة في التوزيع وضعف الأداء، فهناك تخمة في مواقع روتينية وعجز في مواقع حساسة، وجداول زمنية بلا ثواب ولا عقاب واضح، ونثريات وتكاليف تشغيل تأكل الفرصة قبل أن تتحوّل إلى قيمة. وقد حسّن مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية ترتيب مصر من المرتبة ١٠٣ عام ٢٠٢٢ إلى المرتبة ٩٥ عام ٢٠٢٤ بدرجة ٠.٦٦٩٩، وهذا تقدّم يستحق التسجيل. لكن المواطن ما زال يتدافع في الأروقة، والملف ما زال يسافر بين المكاتب، والزمن الحكومي ما زال رخيصاً داخل الجهاز وغالي الثمن على المصنع والميناء والمستثمر والسائح.

ومن هنا يصبح السؤال عملياً لا إنشائياً: هل الهيكلة الإدارية ترف تنظيمي أم معادلة نمو؟ إن تجارب عشرين عاماً تجيب بالأرقام لا بالشعارات: فمثلاً إستونيا قد قامت ببناء طبقة تبادل بيانات آمنة فصارت غالبية الخدمات رقمية، وتُنجَز الإقرارات الضريبية في دقائق، ويُقدَّر الوفر من التوقيع الرقمي وحده بنحو ٢% من الناتج سنوياً، حتى احتلت المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر الحكومة الإلكترونية، وجورجيا بين عامي ٢٠٠٤ و٢٠١٢ قلّصت التراخيص من نحو تسعمائة إلى ما يقارب مائة وسبعة وثلاثين، وخفّضت حجم الجهاز الإداري بنحو النصف، وانتقلت في سهولة الأعمال من المرتبة ١١٢ إلى المرتبة الثامنة، وارتفعت الحصيلة الضريبية من نحو ١٥% إلى أكثر من ٢٣% من الناتج. ورواندا دمجت عقود الأداء مع إعادة توزيع الكادر ورفع أجور من بقي في المواقع الحاكمة، كما بنت مشتريات إلكترونية، وحققت نمواً حقيقياً غالباً بين ٦% و٩% لسنوات، ورفعت نسبة الضرائب إلى الناتج من نحو ٨.٥% إلى ما يقارب ١٤%.

ولكي لا يُقال أن النجاح حكر على الدول الصغيرة، تقف الهند بأكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة شاهداً معاكساً، فقد بنت خلال العقد الأخير بنية تحتية رقمية عامة تربط الهوية الرقمية والمدفوعات والسجلات الضريبية والخدمات، فاختصرت الرحلة الورقية لمئات الملايين، ووسّعت الوعاء الضريبي الرسمي، وخفّضت الاحتكاك اليومي بين المواطن والموظف في مساحات كانت تاريخياً بؤرة تعطيل. أما سنغافورة فأبقت جهازاً إدارياً رشيقًا يقترب من ٩.٥% من المشتغلين، وجعلت أكثر من ٩٥% من الخدمات رقمية، وحوّلت الجهة التقنية الحكومية إلى ذراع تنفيذ لا مكتب استشارات. كل هذه الدول لم تُلغِ الدولة؛ولكن ضبطت النسبة بين الموظف والسكان، وربطت الحضور والتقييم بالزمن والنتيجة، وأغلقت وأنهت كل ما لا يضيف قيمة. إن الخسارة المصرية المركّبة أوضح من أن تُغطَّى بعبارات عامة، فضريبة عنصر الوقت على الشركات تؤخر التشغيل، وضعف السيطرة على الإنفاق والنثريات يرفع تكلفة الخدمة. وتعطيل المصالح يُبطئ دوران رأس المال، والترهل الإداري لا يسرق يوماً واحداً؛ بل يسرق مركّب النمو في الصادرات والسياحة والتعدين والصناعة التحويلية واللوجستيات وقناة السويس والزراعة التصديرية والطاقة المتجددة والاتصالات والاقتصاد الرقمي وصناعة الدواء والبتروكيماويات والثروة السمكية وخدمات التعهيد والمناطق الحرة وسلاسل القيمة المرتبطة بأفريقيا. إن كل يوم إداري ضائع هنا هو شحنة لم تُغادِر، أو رخصة لم تكتمل، أو سائح لم يتكرر، أو منجم لم يُطرح، أو مصنع أخّر قراره.

وقد حاولت الدولة تأهيل القيادات الإدارية عبر الأكاديميات من خلال توجه صحيح، إلا أن رؤية ٢٠٣٠ والإصلاح الإداري موجودان على الورق. غير أن إعداد الموظف بعد التعيين لا يغني عن تعليم مبكر يوافق هوية اقتصادية واضحة، كما أن الاستعانة المتكررة بمكاتب هيكلة دولية استنزفت الإقليم أربعة عقود من دون أثر مستدام، فصار الاعتماد عليها جزءاً من ضياع الفرصة لا من حلّها، ولا يهيكل إداراتنا إلا من يعرف ممراتها،والعبور يحتاج حلولاً غير تقليدية وقابلة للتطبيق لا شعارات جديدة.فمثلاً يمكن أن يُقرّ قانون «الموافقة الصامتة» بحيث يُعدّ الطلب موافقاً عليه إذا انتهت المهلة من دون رد مسبّب معلن. ويُفرض مبدأ «البيان مرة واحدة» فلا يُطلب من المواطن أو الشركة مستند قدّماه بالفعل لأي جهة حكومية أخرى. وتُنشر شهرياً «ضريبة الوقت» لكل خدمة: عدد الأيام، وعدد الزيارات، ونسبة الإنجاز الرقمي. ويوضع بند غروب شمس للهيئات؛ تُحلّ أو تُدمج تلقائياً ما لم تُثبت قيمة مضافة حقيقية وقابلة للقياس كل ثلاث سنوات، ويُجمَّد التعيين الروتيني مقابل معادلة صريحة: كل خدمة تتحوّل رقمياً بالكامل تُعيد توزيع كادرها إلى العجز الحقيقي في التفتيش الفني والجمارك الذكية والترويج التصديري وخدمة المستثمر. ويُنشأ مركز سيطرة إداري مصري صغير الصلاحية واسع الشفافية، لا يستورد خرائط جاهزة، بل يفتح لوحة إنفاق تشغيلي حيّة لكل وزارة وهيئة، ويربط جزءاً من الحافز بتقليل زمن الخدمة لا بعدد المكاتبات. وتُغلق الكيانات الخاسرة المزمنة بإعادة تأهيل لا بإعادة تسمية، عندئذ ستكفّ الهيكلة عن أن تكون ملفاً إضافياً، وتصبح شرطاً كي تتحوّل جهود الدولة إلى أرقام ملموسة في الصادرات والدخل الدولاري.

في النهاية أؤكد أن التحديات الخارجية القائمة منذ عام ٢٠١٩ لا تفسر وحدها تباطؤ النمو، فجوهر الأزمة يكمن في هيكل إداري مترهل قوامه يفوق الخمسة ونصف مليون مشتغل، مع ضعف الربط بين الأجر والإنجاز وعدم اكتمال التحول الرقمي.

وتؤكد التجارب الدولية أن معالجة هذا الخلل لا تكون بإنشاء أجهزة جديدة، بل بإقرار تشريعات حاكمة كقانون الموافقة الصامتة ومبدأ تقديم البيان مرة واحدة، مع نشر مؤشر شهري لزمن إنجاز الخدمات.

وعليه، يصبح الإصلاح الإداري شرطاً للنمو، عبر تطبيق بند " الغروب المؤسسي" الذي يقضي بدمج أو حل أي كيان لا يثبت قيمة مضافة قابلة للقياس كل ٣ سنوات، وربط الحوافز بخفض زمن الخدمة وتكلفة التشغيل.

أخيراً إن ما وراء الأزمة "إدارة" وما أمامها "مهلة" لم تعد تحتمل التأجيل.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً