لم تعد تطبيقات الدردشة مقتصرة على تبادل الرسائل والصور، بل بدأت تتحول إلى منصات متكاملة للحصول على المعلومات وإنجاز المهام بمساعدة الذكاء الاصطناعي، إذ أصبح بإمكان المستخدم طرح الأسئلة وتلخيص المحادثات وكتابة الرسائل وإنشاء الصور، دون الحاجة إلى مغادرة التطبيق أو الانتقال إلى محرك بحث خارجي.
ويعكس هذا التحول تغيرًا في طريقة الوصول إلى المعرفة، بعدما انتقل جزء من عمليات البحث إلى نافذة المحادثة نفسها، لكن انتشار المساعدات الذكية يطرح في المقابل تساؤلات حول دقة المعلومات التي تقدمها، ومدى تنوع مصادرها، وحدود صلاحياتها، فضلًا عن حماية البيانات الشخصية التي يشاركها المستخدمون معها.
ميتا توسع خدماتها
تسعى شركة ميتا إلى تعزيز حضور مساعدها «ميتا إيه آي» عبر منصاتها المختلفة، بما يشمل واتساب وفيسبوك وإنستغرام وماسنجر، إلى جانب الموقع الإلكتروني والتطبيق المستقل، في محاولة لجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من تجربة المستخدم اليومية.
وتتنوع مهام المساعد بين الإجابة عن الأسئلة والبحث عبر الإنترنت وإنشاء الصور وتقديم اقتراحات التسوق والمساعدة في البرمجة وتنظيم الأنشطة اليومية، مع اختلاف طريقة استخدامه وفقًا لطبيعة كل منصة.
ففي واتساب، يستطيع المستخدم التحدث إلى المساعد أو استدعاءه داخل المجموعات للحصول على توصيات أو شرح الرسائل، بينما يرتبط في إنستغرام بالرسائل والبحث والمحتوى المرئي، ويعمل داخل محادثات ماسنجر، ويساعد مستخدمي فيسبوك في العثور على المنشورات والمجتمعات ذات الصلة باهتماماتهم.
وفي بعض الحالات، يستعين «ميتا إيه آي» بمنشورات عامة من فيسبوك وإنستغرام و«ثريدز» لتقديم إجابات ترتبط بالمحتوى المتداول بين المستخدمين، كما تعمل الشركة على توسيع قدراته لتشمل إعداد الخطط وكتابة المستندات وإنشاء العروض التقديمية وإجراء الأبحاث المنظمة.
وفي 8 أبريل الماضي، كشفت ميتا عن نموذجها الجديد «ميوز سبارك»، الذي قالت إنه يشغل المساعد بعد إعادة بنائه ودمجه في الخدمة.
حماية المحادثات الشخصية
بالتوازي مع توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، أعلنت ميتا في 29 أبريل 2025 عن ميزة اختيارية تحمل اسم «المعالجة الخاصة»، تتيح تنفيذ مهام محددة، من بينها تلخيص رسائل واتساب واقتراحات الكتابة، داخل بيئة سرية لا تستطيع الشركة الاطلاع على محتواها، وفقًا لما أعلنته.
وفي 13 مايو من العام نفسه، كشفت الشركة عن ميزة المحادثة الخفية لمحادثات «ميتا إيه آي» عبر واتساب والتطبيق المستقل، معتمدة على تقنية المعالجة الخاصة، وأوضحت أن الرسائل لا تُخزن بعد مغادرة الجلسة.
وتتجاوز استراتيجية ميتا مجرد تقديم أدوات جديدة للمستخدمين، إذ تسعى إلى تعزيز وجودها في الأنشطة التجارية أيضًا. وقالت الشركة إن أكثر من مليون نشاط تجاري يستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي الخاصين بها أسبوعيًا عبر واتساب وماسنجر للتواصل مع العملاء وإتمام المبيعات.
ويعزز هذا التوجه دور تطبيقات الدردشة باعتبارها قنوات للتسوق وخدمة العملاء وإنجاز المعاملات، وليس مجرد وسيلة لتبادل الرسائل.
تليجرام يعتمد على البوتات
على الجانب الآخر، يتبنى تطبيق تلغرام نهجًا مختلفًا يعتمد بدرجة كبيرة على البوتات وواجهات البرمجة، وهو ما ساعد على ظهور منظومة تضم أدوات ذكاء اصطناعي رسمية وأخرى تطورها جهات خارجية.
وفي 7 مايو الماضي، أعلن تلغرام ميزة تتيح استدعاء بوتات الذكاء الاصطناعي داخل المحادثات الفردية والجماعية عن طريق ذكر أسمائها، حتى إذا لم تكن هذه البوتات أعضاء في المحادثة.
وتوفر المنصة مجموعة واسعة من الأدوات التي يمكن استخدامها للإجابة عن الأسئلة والتحقق من المعلومات وإنشاء النصوص والصور وأتمتة بعض المهام وتنظيم صندوق الوارد، فضلًا عن ربط خدمات خارجية بالحسابات وفق الصلاحيات التي تمنحها لها الخدمة.
كما أضاف تلغرام ملخصات ذكية للمنشورات الطويلة، تعتمد على نماذج مفتوحة المصدر من خلال شبكة «كوكون» اللامركزية.
وتضم المنصة بوت «كوبايلوت» الرسمي التابع لشركة مايكروسوفت، بينما لا توفر «أوبن إيه آي» بوتًا رسميًا عامًا لـ«شات جي بي تي» عبر تلجرام، كما لا تقدم «أنثروبيك» بوتًا عامًا جاهزًا لـ«كلود»، رغم إتاحة تكامل تلغرام ضمن «كلود كود».
ويمكن للمستخدمين الوصول إلى نماذج «شات جي بي تي» و«كلود» من خلال بوتات خارجية، توفر بعضها إمكانية التنقل بين نماذج مختلفة داخل المحادثة الواحدة.
وبذلك، يتحول تلغرام إلى مساحة تتيح للمستخدم اختيار المساعد الذي يناسب احتياجاته، سواء من حيث طبيعة المهمة أو النموذج المستخدم، مع ضرورة الانتباه إلى أن بعض هذه الخدمات تعتمد على جهات وسيطة.
نهاية عصر البحث التقليدي
اعتمد المستخدمون لسنوات طويلة على محركات البحث للوصول إلى المعلومات، من خلال كتابة السؤال واستعراض النتائج وفتح الروابط ومقارنة المحتوى المنشور في مواقع متعددة قبل الوصول إلى الإجابة المطلوبة.
لكن المساعدات الذكية غيرت هذه المعادلة، بعدما أصبحت قادرة على جمع المعلومات وتلخيصها وصياغتها في إجابة واحدة، وهو ما يقلل الوقت والجهد اللازمين للوصول إلى المعلومة.
ورغم هذه الميزة، فإن الحصول على إجابة جاهزة قد يقلل من فرص الاطلاع على المصادر الأصلية ومقارنة وجهات النظر المختلفة، خاصة عندما يتعامل المستخدم مع الرد باعتباره حقيقة نهائية دون مراجعة الأدلة التي يستند إليها وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث وشمل 5119 شخصًا أن 42% من مستخدمي روبوتات الدردشة يلجأون إليها للبحث عن المعلومات.
كما وجد المركز أن مستخدمي صفحات نتائج بحث «جوجل» التي تتضمن ملخصات الذكاء الاصطناعي كانوا أقل ميلًا إلى النقر على الروابط وزيارة المواقع الأصلية.
ووفقًا للبيانات، انتهت 8% من الزيارات إلى صفحات النتائج التي تضمنت ملخصًا للذكاء الاصطناعي بالنقر على نتيجة بحث تقليدية، مقارنة بـ15% في الصفحات التي لم يظهر فيها الملخص، بينما لم تتجاوز نسبة النقر على الروابط الواردة داخل الملخص نفسه 1%.
وفي دراسة أخرى نشرها معهد نورمبرغ لقرارات السوق، وشملت 1526 مشاركًا، تبين أن مستخدمي «شات جي بي تي» أنجزوا المهام بصورة أسرع، وكانوا أكثر احتمالًا للوصول إلى الحل الصحيح في مهام البحث العملية مقارنة بمستخدمي «جوجل»، لكن اعتمادهم على المصادر الأصلية عبر الإنترنت كان أقل.
إجابات سريعة وأخطاء محتملة
توفر المساعدات الذكية إمكانات واسعة لتبسيط المصطلحات المعقدة وتلخيص الوثائق والإجابة عن الأسئلة المتتابعة دون الحاجة إلى إعادة شرح الموضوع في كل مرة، إلا أن تنظيم الإجابة وصياغتها الواثقة لا يعنيان بالضرورة أنها دقيقة أو مكتملة.
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات في ما يُعرف باسم «هلوسة الذكاء الاصطناعي»، وهي إنتاج معلومات غير صحيحة أو تفاصيل مختلقة تبدو مقنعة، وقد تظهر في صورة بيانات أو اقتباسات أو تفسيرات أو مصادر وروابط غير دقيقة.
وخلصت دراسة اختبرت 27 نموذجًا لغويًا عبر 155 موضوعًا مرتبطًا بـ12 دولة، باستخدام 200 صياغة مختلفة للأسئلة، إلى أن معظم النماذج قدمت تنوعًا أقل في الادعاءات والمعلومات مقارنة بمعيار البحث الأساسي عبر الإنترنت.
وتثير هذه النتيجة تساؤلات حول مدى تنوع المعرفة التي يصل إليها المستخدم عند الاعتماد على إجابة واحدة مولدة بالذكاء الاصطناعي، بدلًا من مقارنة المعلومات الواردة في مصادر متعددة.
وقد لا يكون اكتشاف الخطأ أمرًا سهلًا، خاصة عندما تُعرض المعلومة المختلقة بلغة سليمة ومنظمة، أو عندما يستند الرد إلى معلومات قديمة لا تعكس التطورات الأخيرة.
ولهذا، تزداد أهمية مراجعة المصادر الأصلية ومقارنة المعلومات بأدلة مستقلة، خصوصًا في الموضوعات الطبية والقانونية والمالية، مع طلب روابط يمكن التحقق منها وعدم الاعتماد على ملخص واحد لاتخاذ قرارات حساسة أو تنفيذ إجراءات مهمة.
فوائد تتجاوز توفير الوقت
على الرغم من المخاطر المرتبطة بالدقة والاعتماد المفرط على الإجابات الجاهزة، فإن وجود المساعدات الذكية داخل تطبيقات الدردشة يمكن أن يسهل الوصول إلى المعرفة، خصوصًا للأشخاص الذين يجدون صعوبة في استخدام محركات البحث أو التعامل مع النصوص الطويلة.
ويمكن لهذه الأدوات المساعدة في شرح المفاهيم العلمية والتقنية، وترجمة الرسائل والوثائق، وتلخيص الاجتماعات والمقالات، وقراءة الصور والرسوم وتفسيرها، إلى جانب تسهيل استخدام الخدمات الرقمية لبعض الأشخاص ذوي الإعاقة، وفقًا لطبيعة الأدوات والميزات المتاحة.
كما تمنح المحادثة التفاعلية المستخدم فرصة لطرح أسئلة إضافية وطلب تبسيط الإجابة أو إعادة صياغتها، وهو ما يجعل عملية الوصول إلى المعلومات أكثر مرونة مقارنة بالبحث التقليدي الذي يعتمد على التنقل بين صفحات متعددة ومع ذلك، تظل جودة النتائج مرتبطة بطبيعة النموذج المستخدم، وحداثة المعلومات المتاحة له، ومدى قدرته على الاستناد إلى مصادر موثوقة.
الخصوصية تحت الاختبار
تزداد أهمية حماية البيانات الشخصية مع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى المحادثات الخاصة، إذ قد تصبح الرسائل الموجهة إلى بوت تديره جهة خارجية متاحة لمشغل الخدمة، وفقًا لطريقة عملها وسياسة التعامل مع البيانات.
ويقول تلجرام إن بوتات الذكاء الاصطناعي المستضافة لا ترى سوى الرسالة التي يُشار إليها والردود المرتبطة بها، لكن هذه الآلية لا تعني أن جميع البوتات توفر المستوى نفسه من الحماية، أو أن البيانات لا تُجمع أو تُعالج بطرق أخرى وفقًا لشروط كل خدمة.
لذلك، ينبغي للمستخدم معرفة الجهة التي تدير البوت، ومراجعة سياسة الخصوصية والصلاحيات المطلوبة قبل مشاركة معلومات شخصية أو مستندات حساسة معه.
أما ميتا، فقد أعلنت استخدام تفاعلات المستخدمين مع ميزات الذكاء الاصطناعي ضمن الإشارات التي تساعد في تخصيص المحتوى والإعلانات عبر منصاتها، وهو ما يوضح أن التفاعل مع المساعد قد يرتبط أيضًا بالعلاقة التجارية الأوسع بين المستخدم والمنصة.
وتعني هذه التطورات أن اختيار المساعد الذكي لا ينبغي أن يعتمد على سرعة الإجابة وسهولة الاستخدام فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا مدى وضوح سياسة الخصوصية، ونوعية البيانات التي يجري التعامل معها، والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
المنافسة على ثقة المستخدم
تتجه تطبيقات الدردشة إلى لعب دور أكبر في البحث عن المعلومات وإنجاز المهام اليومية، مستفيدة من وجودها المستمر على الهواتف وقدرتها على تقديم إجابات مرتبطة بسياق المحادثة واهتمامات المستخدم.
لكن هذه المزايا لا تضمن صحة المعلومات، كما أن اختصار خطوات البحث لا يعني بالضرورة الوصول إلى معرفة أوسع أو أكثر تنوعًا.
ومن ثم، لن تتوقف المنافسة بين المساعدات الذكية عند سرعة الاستجابة أو قدرتها على تنفيذ الأوامر، بل ستمتد إلى دقة الإجابات ووضوح مصادرها وحماية بيانات المستخدمين.
وسيكون المساعد الأكثر فاعلية هو الذي يستطيع تقديم إجابة موثوقة عندما تتوافر المعلومات، وطلب توضيح عندما يكون السؤال غامضًا، وإحالة المستخدم إلى مصدر مستقل عند الحاجة، والامتناع عن تنفيذ المهام الحساسة عندما لا تتوافر الضمانات الكافية.