من الدويقة إلى الأسمرات..كيف انتصرت الدولة في معركة العشوائيات؟

صوت |
الخميس 15/10/2026 12:43 م
من الدويقة إلى الأسمرات..كيف انتصرت الدولة في معركة العشوائيات؟
الإسكان

لم تكن معركة الدولة المصرية الأصعب في بناء الأبراج أو شق الطرق الصحراوية، بل كانت في قلب الأحياء المنسية، حيث عاش الملايين داخل ممرات ضيقة ومساكن آيلة للسقوط تهدد حياتهم كل يوم، من هناك، بدأت واحدة من أكبر معارك العمران في تاريخ مصر الحديث، حين وضعت الدولة ملف المناطق غير الآمنة على رأس أولوياتها، لتنتقل من منطق التسكين المؤقت إلى بناء مجتمع متكامل.

جذور أزمة عمرها عقود

لم تنشأ أزمة العشوائيات بين ليلة وضحاها، بل تفاقمت عبر عقود من النمو السكاني المتسارع، والهجرة الداخلية، والتوسع العمراني غير المخطط، وعجز قطاعات واسعة من المواطنين عن الحصول على مسكن ملائم داخل الأحوزة العمرانية الرسمية.

وفي مناطق مثل الدويقة وعزبة خير الله، تجاوزت الأزمة غياب التخطيط لتصبح خطرا داهما على الأرواح، بسبب انهيار الكتل الصخرية وتدهور المباني وانعدام شبكات الأمان، وهو ما جعل الحلول الجزئية غير مجدية.

توجيه رئاسي غير قواعد المواجهة

مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، شهد الملف تحولا جذريا، لم يعد التعامل مع العشوائيات مجرد إزالة لمبنى خطر، بل تحول إلى مشروع قومي لإعادة بناء حياة المواطن.

وجاء التوجيه الرئاسي واضحا، التعامل مع المناطق غير الآمنة باعتبارها قضية أمن قومي وحياة إنسان، وليس ملفا فنيا، فكل منطقة يتم تطويرها تمر بمراحل دقيقة تبدأ بحصر المخاطر والأسر، مرورا بتوفير البديل الآمن، وصولا إلى إدارة عملية الانتقال وضمان استدامة الخدمات.

الأسمرات وروضة السيدة وبشاير الخير.. نماذج تروي الحكاية

برزت مشروعات الأسمرات، وروضة السيدة زينب، وبشاير الخير، والمحروسة، وأهالينا، ومثلث ماسبيرو، كأيقونات لهذا التحول، فالدولة لم تكتف بإخلاء المناطق الخطرة، بل شيدت مجتمعات عمرانية جديدة تضم وحدات سكنية مجهزة، وشبكات مياه وصرف وكهرباء، ومدارس ووحدات صحية وأسواقا وملاعب.

وهنا تكمن فلسفة التطوير الجديدة؛ فالانتقال إلى مسكن آمن ليس نهاية المطاف، بل هو الخطوة الأولى نحو توفير بيئة معيشية تتيح للأسرة التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل.

وزارة الإسكان.. من مقاول بناء إلى صانع مجتمع

تقع مسؤولية التنفيذ في قلب وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، بالتنسيق مع المحافظات والجهات الخدمية، فالمهمة لم تعد بناء جدران وأسقف فقط، بل تشييد منظومة متكاملة تحتاج إلى تخطيط وتوفير أراضى ومد مرافق وصيانة مستمرة.

ولذلك، لا يقاس نجاح الوزارة بعدد الوحدات التي سلمتها، بل بقدرتها على استكمال الخدمات، وسرعة الاستجابة لملاحظات السكان، وضمان ألا ينتقل المواطن من حرمان قديم إلى حرمان جديد بثوب مختلف.

المعركة الحقيقية تبدأ بعد تسليم المفتاح

أكبر خطأ في تقييم ملف بدائل العشوائيات هو اختزال النجاح في لحظة تسليم الوحدة، فالمواطن بعد انتقاله يحتاج إلى وسيلة مواصلات تربطه بمقر عمله، ومدرسة قريبة لأبنائه، ووحدة صحية، ومنافذ لشراء احتياجاته اليومية.

ومن هنا، تبدأ المرحلة الأكثر حساسية، وهي إدارة المجتمع الجديد، والحفاظ على مرافقه، وضمان استمرارية الخدمات، وهو ما يتطلب تنسيقا دائما بين الإسكان والتنمية المحلية والتضامن الاجتماعي والنقل والتعليم.

البعد الإنساني.. عندما يتجاوز العمران الخرسانة

العمران الحقيقي لا يقاس بحجم الخرسانة، بل بما يحدثه من أثر في حياة الإنسان، فالسكن في منطقة خطرة يضاعف الأعباء النفسية والاجتماعية، بينما يمنح المسكن الآمن فرصة للاستقرار والاندماج.

لكن إعادة بناء الإنسان تتطلب أكثر من تغيير عنوان السكن؛ إنها تحتاج إلى برامج للتمكين الاقتصادي، والتدريب المهني، ورعاية الشباب والأطفال، وتوفير مساحات عامة آمنة للممارسة الاجتماعية والرياضية، حتى يشعر المواطن أنه جزء من مشروع تنمية مستدام، وليس مجرد رقم في كشف إخلاء.

بين ما تحقق وما ينتظر

لا شك أن نقل مئات الآلاف من الأسر من مناطق الموت إلى مجتمعات آمنة يعد إنجازا عمرانيا واجتماعيا ضخما، غير أن التقييم الموضوعي يتطلب التمييز بين حجم الإنجاز وتحديات الاستدامة.

فمعيار النجاح الحقيقي لا يكمن في عدد الوحدات المبنية، بل في عدد الأسر التي استقرت فعليا، وجودة الخدمات التي تحصل عليها، وتوفر فرص العمل، وكفاءة أعمال الصيانة، كما أن الشفافية في نشر البيانات حول أعداد المناطق المطورة والتكلفة وحالة الخدمات، هي ما يجعل التجربة قابلة للقياس والتطوير.

 كرامة المواطن.. معيار التنمية

تكشف تجربة تطوير المناطق غير الآمنة أن خريطة الإسكان في مصر لم تعد تقتصر على مدن جديدة في الصحراء، بل امتدت لتصحح أخطاء الماضي داخل الكتل العمرانية القديمة.

لقد أصبحت قصة الانتقال من الدويقة إلى الأسمرات رمزا لفلسفة عمرانية جديدة، فحواها أن قيمة المشروع لا تقاس بما يضيفه من مبانى إلى الخريطة، بل بما يضيفه من أمان وكرامة وحياة أفضل للمواطن.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً