منيب أوبيري يكتب: أزمة كورونا.. حين مات الاتحاد إكلينيكياً

صوت |
الأربعاء 14/10/2026 08:21 م
منيب أوبيري يكتب: أزمة كورونا.. حين مات الاتحاد إكلينيكياً
منيب أوبيري
ك
كاتب

جاء عام 2020 حاملاً معه أزمة لم تكن في الحسبان. اجتاح وباء كورونا العالم، أُغلقت الحدود، تعطلت حركة السفر، وتوقفت المؤتمرات والاجتماعات الحضورية. وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، وجد اتحاد المهندسين الزراعيين العرب نفسه أمام امتحان جديد؛ لم يعد يتعلق بقدرته على مواجهة الأزمات الخارجية فحسب، وإنما بقدرته على الحفاظ على مؤسساته وآليات عمله الداخلية، وعلى إبقاء الحد الأدنى من الحياة المهنية داخل واحدة من أقدم المنظمات المهنية العربية.

كان آخر مؤتمر للاتحاد قد انعقد في دمشق، وانتهى، كما جرت العادة، بتمديد ولاية الأمانة العامة. ثم مضت قرابة سنة من الركود، وحان موعد اجتماع المكتب التنفيذي، غير أن الظروف الصحية حالت دون عقده حضورياً.

وللمرة الأولى، وجد الاتحاد نفسه مضطراً إلى خوض تجربة جديدة: اجتماع عن بُعد عبر تقنيات التحاضر المرئي.

كان يفترض أن تكون تلك التجربة فرصة لإثبات قدرة الاتحاد على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ على مؤسساته رغم الظروف الاستثنائية. غير أن الأزمة الصحية لم تكن وحدها حاضرة في ذلك الاجتماع.

فمع اقتراب موعد انعقاده، بدأت الخلافات تظهر بوضوح بين رئيس الدورة، ممثل منظمة فلسطين، وبين الأمانة العامة، خصوصاً بشأن جدول الأعمال وبعض الجوانب التنظيمية المرتبطة بتسيير الاجتماع. ومع تصاعد الخلاف، برز توجه نحو عدم تمكين رئيس الدورة من ممارسة دوره في إدارة الاجتماع، وإسناد تسييره عن بُعد إلى ممثل منظمة العراق.

وهكذا وجد الاتحاد نفسه أمام سابقة جديدة: اجتماع استثنائي في ظروف استثنائية، ورئيس دورة يفترض أن يتولى رئاسته، لكنه وجد نفسه خارج دائرة التسيير.

احتجت منظمة فلسطين على هذا التوجه، واعتبرت أن من حق ممثلها، بصفته رئيس الدورة، أن يمارس الصلاحيات المرتبطة برئاسة الاجتماع. وبذلك لم تعد المسألة مجرد خلاف حول آليات تقنية فرضتها جائحة كورونا، وإنما تحولت إلى خلاف مؤسسي أعاد إلى الواجهة أسئلة أعمق حول طريقة إدارة الاتحاد وحدود صلاحيات الأمانة العامة ودور المنظمات الأعضاء.

وكان لهذا الخلاف أن يفتح من جديد ملفاً أكثر حساسية: صندوق دعم المهندس الزراعي الفلسطيني. فالصندوق، الذي أُنشئ قبل سنوات، كان بالنسبة إلى مهندسي فلسطين مشروعاً يحمل أبعاداً مهنية وإنسانية ورمزية، وكان يفترض أن يوفر دعماً للمهندسين الفلسطينيين في ظروفهم الصعبة. غير أن هذا المشروع لم يتمكن، وفق ما كان متداولاً بين عدد من المنظمات الأعضاء، من تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها.

وظلت التساؤلات قائمة حول مصير مخصصاته المالية وآليات الاستفادة منها، في وقت لم يتمكن فيه المهندسون الفلسطينيون، بحسب تلك الانتقادات، من الوصول إلى الدعم المنتظر. ووجّهت انتقادات إلى الإجراءات المتبعة وطريقة تسيير الملف، وما اعتبرته بعض المنظمات تعقيداً بيروقراطياً حال دون تحقيق الصندوق للغاية التي أنشئ من أجلها.

وهكذا تداخلت في ذلك الاجتماع ملفات متعددة: رئاسة الدورة، وصلاحيات المؤسسات، وصندوق الدعم، ومستقبل الأمانة العامة.

وفي خضم هذا المشهد، طُرح موضوع الطلب الذي تقدم به الأمين العام لإعفائه من مهامه. وأشار الأمين العام، في طلبه، إلى أنه أمضى سنوات طويلة في خدمة الاتحاد، وأنه قضى في الأمانة العامة ما يقارب 80 بالمائة من عمر الاتحاد منذ تأسيسه، ونحو 75 بالمائة من حياته المهنية المنتجة، وكان يبلغ آنذاك نحو 82 عاماً، موضحاً أنه أمضى تلك السنوات في خدمة المنظمة بصفة تطوعية.

كان ذلك الطلب يمكن أن يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الاتحاد؛ لحظة تفتح الباب أمام انتقال مؤسسي هادئ، وتجديد للقيادات، وإفساح المجال أمام جيل جديد من المهندسين الزراعيين للمساهمة في تسيير المنظمة.

لكن الظروف لم تكن عادية

فالعالم كان يدخل مرحلة طويلة من الإغلاق والركود، وكانت المؤتمرات والاجتماعات الدولية قد أصبحت شبه مستحيلة، وكان واضحاً أن عقد مؤتمر جديد للاتحاد، وإتمام عملية انتقال مؤسسي منتظمة، لن يكون أمراً يسيراً.

وفي نهاية المطاف، اتجه المجتمعون إلى عدم قبول طلب إنهاء مهام الأمين العام، والإبقاء عليه في منصبه إلى غاية انعقاد المؤتمر المقبل، الذي كان منتظراً سنة 2022.

وهنا ظهرت المفارقة

فالأزمة التي كان يمكن أن تكون فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحديث آليات العمل، وفتح المجال أمام التداول وتجديد الدماء، تحولت، بفعل الظروف الاستثنائية، إلى عامل إضافي في إطالة حالة الجمود. لا مؤتمرات.

لا اجتماعات منتظمة بالوتيرة المطلوبة.

لا مشاريع عربية كبرى تحمل اسم الاتحاد.

ولا تجديد فعلي يسمح للمؤسسة باستعادة حيويتها.

ومع مرور الأشهر، ثم السنوات، بدأ الحضور المهني للاتحاد يتراجع شيئاً فشيئاً.

كان الاتحاد لا يزال قائماً من الناحية القانونية والإدارية؛ مؤسساته موجودة، وصفاته محفوظة، وأمانته العامة قائمة. لكن الحياة المهنية التي يفترض أن تمنح المنظمة معناها بدأت تخفت.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

ماذا يبقى من منظمة مهنية حين تستمر هياكلها، بينما تتراجع قدرتها على الفعل؟

كان الاتحاد موجوداً على الورق، لكنه كان يفقد شيئاً فشيئاً حضوره في الواقع.

كان يحتاج إلى مؤتمر، إلى تجديد، إلى مشروع، إلى حوار بين منظماته، وإلى أفق جديد يعيد للمهندس الزراعي العربي ثقته في مؤسسته المهنية.

وهكذا، لم تعد جائحة كورونا وحدها هي الأزمة

لقد كشفت الجائحة هشاشة البناء الداخلي، وأظهرت أن المشكلة أعمق من تعذر عقد اجتماع أو مؤتمر. فقد أصبح الجمود نفسه جزءاً من الأزمة.

ومن هنا جاءت العبارة التي بدأت تتردد في وصف حال الاتحاد:

لقد دخل مرحلة الموت الإكلينيكي.

لم يكن المقصود أن الاتحاد اختفى أو انتهى قانونياً، وإنما أن مؤسساته بقيت قائمة، بينما تراجعت الحركة داخلها، وضعفت قدرتها على إنتاج المبادرات، وتأخر التجديد، وغابت المشاريع الكبرى التي يمكن أن تعيد للمنظمة دورها.

وظل هذا الوضع قائماً من موعد المؤتمر الذي كان يفترض أن ينعقد سنة 2022، قبل أن يتأجل مرة أخرى، إلى أن جاء صيف سنة 2023.

هناك، في بغداد، حدث ما لم يكن كثيرون يتوقعونه.

انعقد المؤتمر المتأخر، والتقت منظمات الدول العربية من جديد، بعد سنوات من التباعد والركود.

وكان اللقاء، بالنسبة إلى كثير من المشاركين، أكثر من مجرد مؤتمر دوري.

كان فرصة لاختبار ما إذا كان الاتحاد قادراً على استعادة الحياة، وفتح صفحة جديدة، والانتقال من مرحلة الجمود إلى مرحلة التجديد.

وفي بغداد، بدأت بالفعل صفحة أخرى من الحكاية.

صفحة حملت معها أسئلة كثيرة، وفتحت نافذة أمل بعد سنوات طويلة من الانتظار، ووضعت مستقبل اتحاد المهندسين الزراعيين العرب أمام اختبار جديد.

وكان مؤتمر العراق صيف 2023... بداية فصل آخر.

اقرأ أيضاً