الدكتور يسري الشرقاوي يكتب.. "الاستثمار ودولة القانون"

صوت |
السبت 03/10/2026 02:42 م
الدكتور يسري الشرقاوي يكتب.. "الاستثمار ودولة القانون"
الدكتور يسري الشرقاوي
ك
كاتب

كيف تعيد أحكام مجلس الدولة رسم قرار المستثمر الأجنبي في مصر ؟!!

في اطار العمل الدؤوب للبحث عن آليات لمضاغة جذب الاستثمارات الأجنبية في ازمنة التحديات الراهنة،قد يتطلب الأمر اعادة النظر في بعض العوامل الداخلية التي يبدوا تأثيرها غير مباشر لكن في حقيقة الأمر تجد أن لها تاثير بالغ الأثر السلبي في حالة عدم احتوائها ،،،

فهناك العديد من القوانين المتعددة والتشريعات المتداخلة ، وفي ظاهر النصوص تبدو مصر جاهزة لاستقبال المستثمر: معاملة متساوية، وحظر للتأميم، وتعويض عادل يُدفع مقدماً عند نزع الملكية، وحرية في تحويل الأرباح. غير أن باطن القرار الإداري يروي قصة أخرى؛ فالشروع في المشروع يظل معلقاً على حكم قد يصدر بعد الترخيص فيبطل التخصيص أو يسحب الأرض أو يعيد رسم النشاط. وهكذا، بين نص القانون ولحظة التنفيذ، يتآكل اليقين.

وتظهر عشر سنوات من التدفقات أن الأرقام لا تشبه حجم السوق. فقد بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وفق الأونكتاد والبنك الدولي، ٦٫٩٣ مليار دولار في عام ٢٠١٥ ثم ٨٫١١ ملياراً في عام ٢٠١٦، وتراجعت إلى ٧٫٤١ ملياراً في عام ٢٠١٧ قبل أن تعود إلى ٨٫١٤ ملياراً في عام ٢٠١٨ و٩٫٠١ ملياراً في عام ٢٠١٩. ثم هبطت إلى ٥٫٨٥ ملياراً في عام ٢٠٢٠ ثم ٥٫١٢ ملياراً في عام ٢٠٢١، قبل أن تصعد إلى ١١٫٤٠ ملياراً في عام ٢٠٢٢ و٩٫٨٤ ملياراً في عام ٢٠٢٣. أما قفزة عام ٢٠٢٤ إلى ٤٦٫٥٨ مليار دولار فليست تحولاً هيكلياً فعمودها هو صفقة رأس الحكمة البالغة نحو ٣٥ مليار دولار؛ ولذلك عادت التدفقات في عام ٢٠٢٥ إلى ١٥٫٤٥ مليار دولار بانخفاض قدره ٦٦٫٨٪. وبذلك يدور متوسط الفترة من ٢٠١٥–٢٠٢٣ حول ثمانية مليارات دولار سنوياً، وهو رقم متواضع لدولة يقارب عدد سكانها ١١٤ مليوناً.

وفي هذا السياق يقف مجلس الدولة حارساً للمشروعية لا خصماً للاستثمار، غير أن حجم المنازعة نفسه يرسل إشارة إلى السوق. ففي العام القضائي ٢٠٢٣/٢٠٢٤ تداولت دوائره ٢٬٥١٣٬٧٢٩ قضية وأنجزت منها ٢٬١٦١٬٠٣٩ ، ثم أُنجز في تسعة أشهر لاحقة ١٬٢٧٧٬٩١٩ دعوى وطعن بنسبة ٨٠٪، لينخفض متوسط عمر الدعوى رسمياً إلى نحو ٧٦–٨١ يوماً. السرعة إذن تحسنت، أما الكثافة فلم تنخفض.

وتكشف المقارنة الدولية حدود هذا التحسن ،ففرنسا، وهي أصل نظام مجلس الدولة، سجلت في عام ٢٠٢٥ نحو ٣٣٤٬٧٠٦ قضية جديدة بالمحاكم الإدارية الابتدائية، إلى جانب ٣٢٬٣٤٤ قضية بمجالس الاستئناف و١٠٬٨٠٩ قضية بمجلس الدولة. وفي تركيا رُفعت أمام المحاكم الإدارية ٣٥١٬٣٠٥ ملفاً خلال عام ٢٠٢٤، في حين يسجل المغرب نحو ٦٠ ألف قضية إدارية سنوياً ضد أشخاص القانون العام. أما إندونيسيا، بالرغم من عدد سكانها الأكبر، فلا تتجاوز قضايا محاكمها الإدارية للدولة بضعة آلاف في السنة. ومن ثم تبدو كثافة المنازعة في مصر أعلى بعدة أضعاف من أقرانها في الأصل القانوني أو في الحجم السكاني، حتى بعد استبعاد قضايا الخدمة المدنية والضرائب.

غير أن الخطر الاستثماري لا يكمن في عدد الدعاوى بذاتها، بل في أثر الحكم على لحظة الشروع، فقد أرست الإدارية العليا مبدأ يجيز فسخ تخصيص الأرض الصناعية واسترداد ما عليها عند تغيير النشاط أو التأجير من الباطن دون موافقة الجهة الإدارية. والمبدأ، في جوهره، يحمي المال العام؛ لكنه في الوقت نفسه يرفع علاوة المخاطر لدى مستثمر يواجه لوائح تتبدل، ومهلاً تُمدد ثم تُلغى، وقرارات وزارية تُعدل بعد دخول رأس المال. ويشهد على هذه الثغرة قرارا الصناعة ١٠٧ و١٧١ لسنة ٢٠٢٦ في شأن سحب الأراضي والتصرف فيها: المشكلة ليست في غياب القانون، بل في تعدد طبقاته بعد التعاقد.

ومن هنا تتكون داخل الجهاز التنفيذي صورة ذهنية معطلة. فالموظف يتحوط من مسؤولية شخصية إن وقع ترخيصاً قد يُبطل لاحقاً، فيتحول الحذر المشروع إلى إبطاء إداري. ولهذا تكرر تقارير مناخ الاستثمار الأمريكية الشكوى ذاتها منذ سنوات: بيروقراطية مفرطة، وشفافية ضعيفة، وإنفاذ غير منتظم. ويتسق ذلك مع مؤشر سيادة القانون للبنك الدولي الذي وقف عند -٠٫٧٥ في عام ٢٠٢٤ بعد مسار سلبي لمعظم العقد، ومع مؤشر قيود الاستثمار الأجنبي لمنظمة التعاون والتنمية الذي استقر حول ٠٫٢٤٨ في العام نفسه، أعلى قليلاً من متوسط الإقليم.

ومع ذلك لا توجد إحصائية رسمية تعزل خسارة الحصيلة السنوية جراء أحكام مجلس الدولة وحدها، غير أن القرائن ثلاث. فقد أعلنت هيئة قضايا الدولة أن المستثمرين أقاموا ٢٥ دعوى تحكيم ضد مصر بين الاعوام ٢٠١٠ و٢٠٢٥ بمطالبات تقارب ٢٠٫٥ مليار دولار؛ وكسبت الهيئة ٢٢ دعوى فجنبت الخزانة نحو ١٨ ملياراً، بما يعني أن الكلفة قائمة حتى عند الفوز. وفي الاتجاه ذاته هبطت الاستثمارات المعلنة للمشاريع الجديدة بنسبة ٧٥٫٩٪ في عام ٢٠٢٥ وفق الأونكتاد، في إشارة إلى تراجع الرهانات متعددة السنوات خارج الصفقات السيادية. وإذ يبقى التدفق «العادي» قرب ٨ إلى ١٠ مليارات دولار سنوياً، يظل الفارق الهيكلي في حدود عدة مليارات دولارات كعلاوة مخاطر قانونية وتنفيذية، لا كقيد يُحمل على دفاتر القضاء الإداري وحده.

وعليه فإن الخلاصة ليست اتهاماً لمجلس الدولة، بل تشخيصاً لفجوة حوكمة: قانون استثمار حديث، ولوائح قطاعية متبدلة، وجهاز تنفيذي يتحوط من الإبطال، ومحاكم إدارية تنظر أكثر من مليوني منازعة في عام واحد. أما الاستثمار المستدام — لا الصفقة الواحدة كل بضع سنوات — فيحتاج إلى توحيد اللائحة التنفيذية مع القانون، وتقييد الأثر الرجعي للقرارات، وتوسيع التسوية قبل التقاضي، حتى ينتقل حكم المشروعية من مصدر تردد إلى مصدر ثقة.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً