«رفقًا بي يا نفسي».. مصطفى عبد المجيد يروي حكاية القدر

صوت |
الأحد 20/09/2026 05:24 م
«رفقًا بي يا نفسي».. مصطفى عبد المجيد يروي حكاية القدر
ا
الكاتب والسيناريست مصطفي عبد المجيد

رفقًا بي يا نفسي، هو قدري ولم أختَره، وأنتِ تعرفين، وتعالي نضحك معاً، فربما تكون الضحكة هي الطريق الوحيد الذي أستطيع من خلاله أن أتأمل حياتي، وأتذكر كيف بدأت الحكاية، وكيف ظل القدر يرسم خطواتها دون أن أملك كثيراً من القدرة على تغيير مسارها.

في طفولتي، كانت عائلتي تسألني: «هتعمل إيه يا صفاليفو لما تكبر؟»، فأجيب بعفوية الطفل وبراءته: «هفتح عربية فول وأعمل سندوتشات بالشطة والطحينة». وكانوا يكتمون ضحكاتهم، ثم يسألونني السؤال الذي يعرفون إجابته: «وهتبيع السندوتشات طبعًا؟»، فأقاطعهم وأنا ألعق لساني المسحوب دائماً: «هاكلهم»، لينفجر الجميع في الضحك وأنا معهم.

ما الذكريات التي كشفت موهبة مصطفى عبد المجيد؟

ويبدو أنهم منذ ولادتي أدركوا أن الله وهبهم مضحكاً محترفاً وكوميديانا عفوياً يشع بهجة في البيت، فأحبوه جميعاً بلا استثناء وحتى الضحكة الكبرى التي جعلتهم يسقطون على الأرض غارقين في ضحك هستيري ظلوا يذكرونني بها سنوات طويلة، حتى صبايا ومطلع الشباب، وأضحك أنا حين أتذكر نفسي في الثالثة من عمري وأنا أقول: «لما أكبر هطلع ضابط وأركب دبابة وأقتل الإسرائيليين والفلسطينيين.. طاخ طاخ بوم».

لكن الكتابة جاءت مبكراً أيضاً، وربما كانت هي العلامة الأولى التي لم أنتبه إليها وقتها، أتذكر مدرستي والصف الثالث الابتدائي، حين كتب لي أستاذ اللغة العربية، الأستاذ عباس، في كراسة الإنشاء «10 على 10». شكراً يا بدرش. ولم أتذكر في حياتي اسماً لمعلم غير هذا المعلم،وربما لم أكن أعرف وقتها أن تلك العلامة الصغيرة ستظل عالقة في ذاكرتي كل هذه السنوات.

هل رسم القدر طريقه نحو المسرح؟

وهل معقول أن القدر يرسم البدايات ويظل معك حتى نهاية عمرك؟ مهما حاولنا تغييره، يكون له الفوز دائماً؟ تقدر الأقدار أن تضحك علينا ثم تتركنا نكتشف بعد سنوات أن ما حسبناه مصادفة كان ربما بداية الطريق.

وفي الصف الأول الإعدادي، حررت مجلة الحائط كاملة تحوي القصة والحكاية والطرفة والمعلومة، وكان يحيط بها قراء من الطلبة والمدرسين أحياناً ثم بدأ المسرح يأخذ مساحة أكبر من خيالي، فألفت المسرحية الكوميدية في مسابقات المسرح المدرسي خلال المرحلة الثانوية، ثم في الجامعة.

كيف انتقل حلم التمثيل إلى عالم السيناريو؟

كان حلمي الكبير، مثل رفقاء عمري جميعاً أن أمثل على المسرح، وأن أصل إلى شاشات السينما والتليفزيون، كنت أرى نفسي ممثلاً، وأحلم بالوقوف أمام الجمهور والكاميرا، لكن القدر كانت له كلمته الخاصة، وكانت الإمارات هي المحطة التي غيّرت اتجاه الحلم.

هناك، اكتشف رسام الكاريكاتير «الدكتش»، مدير تحرير جريدة يومية، أن الدراما تسكن بين سطوري. كنت أونس نفسي وقلمي ببعض الكتابات اليومية، فقرأها واكتشف بين الكلمات والحوار ما جعله يقول لي إنني أمتلك ملامح سيناريست جيد. هكذا أخبرني، وهكذا قال القدر كلمته الحاسمة: «رفقًا بي يا نفسي، ورفقًا بنفسي يا قدري الحبيب».

ماذا تعني الكتابة لمصطفى عبد المجيد؟

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الكتابة هي المساحة التي أعيش فيها أكثر مما أعمل فيهاوكلما عانيت من قلمي والأوراق وهموم الكتابة والأرق، وتقلبت في فراش النوم بين الكلمات والشخصيات والحبكة والذروة والنهايات العديدة، ظللت أبحث حتى أصل إلى النهاية المثالية مع نسائم الصباح.

لم أكتب يومًا مضطراً ولم أكن كسولاً أو بطيئاً في الكتابة. حين أكتب، أكون عاشقًا أتعامل مع الأوراق والكلمات كما يتعامل العاشق مع من يحب، ولذلك كانت الكتابة بالنسبة إليّ أكثر من مهنة؛ كانت حالة كاملة أعيشها بكل ما فيها من قلق ومتعة وأرق وشغف.

من هم أبرز صناع السينما الذين تأثر بهم؟

وحين عشقت السينما، كان في مقدمة من أحببت أعمالهم عاطف الطيب ومحمد خان، وحين عشقت الحوار السينمائي، وجدت نفسي أمام أسماء مثل وحيد حامد ومصطفى محرم ورؤوف توفيق وبشير الديك. كنت أكتب وأرى أمامي الزعيم والساحر وزكي وهشام عبد الحميد أبطالي على الشاشة، وكأنني أصنع الشخصيات وأنا أراها تتحرك أمامي بالفعل.

لماذا يشعر مصطفى عبد المجيد بالغربة عن صناعة اليوم؟

لكن الزمن تغير، وتغيرت معه السينما وأجيالها وطرق إنتاجها واليوم، لا أعرف كيف تُكتب أفلام العيد ولا كيف أكتب لنجوم اليوم، ولا أعرف جهات الإنتاج الحديثة والجديدة ومن أصحابها، وكيف يفكرون اليوم، وكيف يختارون أعمالهم وأبطالهم.

وربما لهذا أسأل نفسي أحيانًا: هل أنا من رجال اليوم؟ هل أنا من كتاب اليوم؟ هل أنا من زمن اليوم؟ وربما تكون الإجابة أكثر قسوة من السؤال، لكنني لا أملك إلا أن أواجهها كما هي، بلا تجميل.

هل يعود مصطفى عبد المجيد إلى الكتابة من جديد؟

ومع نفسي، أحياناً، يؤرقني عتابها القاسي، وأفشل غالباً في إرضائها أو إقناعها بمبرراتي الساذجة. تراها هي هكذا، ولست أنا. عزيزتي وحبيبتي نفسي الغالية، نعم، فكرت أن أكتب من جديد، وهممت بقلمي وصفحتين من مسرحيتي المجنونة «رسالة على ورق بردي»، ثم توقفت.

وفكرت أيضاً، وباشتياق، في الذهاب إلى ضفاف النيل بالنادي، وإعادة كتابة فيلمي المجنون «واحد كبده وصلحه»، الذي توقف إنتاجه في التسعينيات بعد خلاف بيني وبين المخرج حامد سعيد ومنتج الفيلم، وهو خلاف وصل إلى حد الشجار. فكرت أن أعيد كتابته باسم «الإخوة الأعضاء»، ثم ترددت وتوقفت.

ماذا يقول مصطفى عبد المجيد عن علاقته بالقدر؟

وهكذا أعود مرة أخرى إلى السؤال نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يغير قدره؟ أم أن القدر يظل أكثر إصراراً منه؟ ربما لا أعرف الإجابة، لكنني أعرف أنني كلما حاولت الابتعاد عن الكتابة، عادت هي إليّ من طريق آخر، تذكرني بالبداية، بالطفل الذي كان يكتب ويضحك، وبالصبي الذي صنع مجلة حائط، وبالشاب الذي ألف المسرحيات، وبالكاتب الذي وجد نفسه في النهاية أمام الأوراق من جديد.

رفقًا بي يا نفسي، ورفقًا بي يا قدري. لم أختر كل ما حدث، لكنني أحببت ما عشته، حتى ما أتعبني منه. وربما تكون الحكاية كلها أنني لم أكن أبحث عن الكتابة بقدر ما كانت الكتابة تبحث عني، وأن القدر، منذ كراسة الإنشاء في الصف الثالث الابتدائي وحتى هذه اللحظة، كان يعرف الطريق قبلي.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً