يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى زيادة الطاقة التكريرية للنفط في الولايات المتحدة، من خلال إعادة تشغيل وتأهيل المصافي المغلقة، إلى جانب التوسع في المنشآت القائمة وبناء مصافٍ جديدة، في محاولة للحد من اضطرابات أسعار الوقود وتأثير الحروب على أسواق الطاقة.
وضغط ترامب خلال الفترة الأخيرة على مسؤولي شركات النفط الأمريكية، ودعا إلى زيادة عدد المصافي العاملة، باعتبار أن تعزيز طاقة التكرير يمكن أن يسهم في خفض أسعار البنزين والديزل ودعم أمن الطاقة الأمريكي.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز أن ترامب وفريقه للطاقة سيواصلون دعم إعادة تشغيل المصافي المغلقة، وتوسيع طاقة المنشآت الحالية، وإنشاء مصافٍ جديدة بهدف خفض الأسعار وتعزيز الأمن القومي.
تحديات أمام زيادة المصافي
رغم توجه الإدارة الأمريكية نحو زيادة طاقة التكرير، يرى خبراء وشركات نفط أن هذه الخطوة لن تقدم حلًا سريعًا لارتفاع أسعار الوقود، خاصة أن توسيع المصافي القائمة أو إنشاء منشآت جديدة يحتاج إلى سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات.
ولم تشهد الولايات المتحدة إنشاء مصفاة نفط جديدة كبيرة منذ عام 1977، كما أن عدد المصافي العاملة حاليًا أصبح أقل بنحو النصف مقارنة بمستويات عام 1982.
ويرى محللون أن حتى بدء موجة جديدة من الاستثمارات في المصافي لن ينعكس سريعًا على أسعار البنزين والديزل، إذ تحتاج المشروعات الجديدة إلى سنوات قبل دخولها مرحلة الإنتاج.
كما لا تبدو شركات النفط الأمريكية متحمسة لبناء مصافٍ جديدة، رغم ارتفاع أرباح القطاع، في ظل اعتقاد بأن اضطرابات أسواق الطاقة الحالية مرتبطة بأوضاع استثنائية قد لا تستمر لفترة تكفي لتبرير ضخ استثمارات ضخمة في منشآت جديدة.
أزمة التكرير تضغط على أسواق الوقود
ولا تقتصر أزمة الطاقة على الولايات المتحدة، إذ تمثل محدودية طاقة التكرير عالميًا أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع أسعار الوقود خلال العام الحالي، بالتزامن مع تداعيات الحرب في إيران واضطراب حركة شحن النفط عبر مضيق هرمز.
كما تعرضت مصافي نفط في الشرق الأوسط وروسيا لأضرار نتيجة الهجمات العسكرية، فيما تحولت روسيا، التي كانت من كبار مصدري الوقود المكرر، إلى مستورد صافٍ نتيجة نقص الإمدادات في السوق المحلية.
وفي الخليج، تواجه المصافي التي لا تزال تعمل صعوبة في تصدير كميات كبيرة من المنتجات النفطية بسبب استمرار اضطرابات حركة الشحن.
خسارة مليوني برميل يوميًا
وقال دارين وود، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، إن ارتفاع أسعار الوقود لا يرتبط بشكل أساسي بالتراجع المحدود في طاقة التكرير الأمريكية خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى فقدان نحو مليوني برميل يوميًا من الإمدادات العالمية القادمة من روسيا والشرق الأوسط.
وأوضح أن هذه الخسارة تمثل ضغطًا كبيرًا على سوق كانت تعاني بالفعل من نقص الإمدادات.
وتجاوزت أسعار النفط مؤخرًا مستوى 100 دولار للبرميل، بينما استفادت المصافي من ارتفاع أسعار المنتجات النفطية، ما أدى إلى وصول هوامش أرباحها إلى مستويات قياسية رغم زيادة تكاليف التشغيل.
وقال المحلل النفطي المستقل والمستشار لدى جلف أويل توم كلوزا إن المصافي الأمريكية تحقق حاليًا أرباحًا تقترب من 100 دولار للبرميل من الديزل، وما بين 40 و50 دولارًا للبرميل من البنزين، واصفًا هذه المستويات بأنها استثنائية للغاية.
هل تحتاج أمريكا بالفعل إلى مصافٍ جديدة؟
ورغم تراجع عدد المصافي الأمريكية بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، تمكنت الولايات المتحدة من تلبية احتياجاتها من الوقود عبر المصافي المتبقية، مستفيدة من التطور التكنولوجي وتحسين الكفاءة وزيادة الطاقة الإنتاجية للمنشآت القائمة.
وارتفع إنتاج المصافي الأمريكية بنحو 16% منذ عام 1999، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 18.6 مليون برميل يوميًا في 2019، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، قبل أن يتراجع بنحو 3% منذ ذلك الحين.
في المقابل، انخفض استهلاك الأمريكيين من البنزين نتيجة تحسن كفاءة السيارات، وزيادة انتشار السيارات الكهربائية، إلى جانب توسع العمل عن بُعد.
ومع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب الإيرانية أواخر فبراير، أصبح خفض الأسعار أكثر ارتباطًا بتوافر الإمدادات العالمية وقدرة المصافي على تلبية الطلب، وليس فقط بعدد المصافي العاملة داخل الولايات المتحدة.
وبالتالي، فإن إعادة تشغيل المصافي المغلقة أو بناء منشآت جديدة قد تدعم أمن الطاقة الأمريكي على المدى الطويل، لكنها لا تبدو حلًا سريعًا لأزمة أسعار الوقود الحالية.