تتجه أسواق الطاقة العالمية إلى مرحلة جديدة من الضغوط مع ارتفاع أسعار الوقود المكرر بوتيرة تتجاوز صعود أسعار النفط الخام، ما يثير مخاوف البنوك المركزية من موجة تضخمية جديدة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وتراجع المخزونات وارتفاع تكاليف التكرير والنقل والتأمين.
وتجاوزت العقود الآجلة لخام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، فيما تصاعدت الضغوط على أسعار الديزل والغاز الطبيعي، وسط استمرار اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب في إيران، وعدم وجود مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الصراع.
وأصبح هامش التكرير، الذي يمثل الفارق بين تكلفة الخام وأسعار المنتجات المكررة، عنصرًا أساسيًا في حسابات البنوك المركزية، بعدما بدأ يؤثر بصورة مباشرة في أسعار الوقود وتكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي في معدلات التضخم.
توقعات التضخم إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة
وسلط البنك المركزي الأوروبي الضوء على ارتفاع أسعار النفط والغاز باعتباره أحد المخاطر التي قد تدفع توقعات التضخم إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة، بينما أشارت رئيسة البنك كريستين لاغارد إلى الأهمية المتزايدة لهوامش التكرير في تحديد اتجاهات أسعار الوقود.
كما حذر بنك إنجلترا من الضغوط الناتجة عن ارتفاع هوامش التكرير، في الوقت الذي تتجه فيه الأسواق إلى توقع زيادات إضافية في أسعار الفائدة لمواجهة تداعيات التضخم.
الديزل يتحول إلى مصدر قلق عالمي
تشهد أسعار الديزل ارتفاعات قوية، مع تجاوز العقود الآجلة في بعض الأسواق 200 دولار للبرميل، بينما يدفع بعض المستهلكين أكثر من 300 دولار بعد إضافة الضرائب.
وتفاقمت أزمة الديزل نتيجة تراجع صادرات روسيا، بعد تعرض عدد من مصافي التكرير لهجمات أوكرانية، بالتزامن مع استمرار تعافي منشآت التكرير في الشرق الأوسط من أضرار لحقت بها خلال الصراع.
وأصبح الديزل يمثل نقطة ضغط إضافية على الاقتصاد، نظرًا لاعتماده على نطاق واسع في قطاع النقل والصناعة، وهو ما يجعل ارتفاع أسعاره عاملًا مباشرًا في زيادة تكاليف السلع والخدمات.
أزمة الغاز تضغط على أوروبا قبل الشتاء
في أوروبا، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، بينما لا تزال المخزونات عند مستويات منخفضة مقارنة بالمعتاد في هذا الوقت من العام.
وتشير تقديرات بنوك ومؤسسات استشارية إلى أن حاجة أوروبا لتعويض نقص المخزونات قد تدفع أسعار الغاز إلى تجاوز 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو مستوى يزيد بنحو 25% عن الأسعار الحالية، ما يهدد بزيادة تكاليف الإنتاج الصناعي.
وتواجه الشركات الصناعية الأوروبية ضغوطًا متزايدة، خاصة القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة، مع ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز إلى مستويات قد تجعل بعض عمليات الإنتاج غير مجدية اقتصاديًا.
مخاوف من استنزاف الاحتياطيات
ساعدت المخزونات والاحتياطيات الاستراتيجية حتى الآن في الحد من تأثير اضطرابات الإمدادات على الأسعار، إلا أن هذه الهوامش بدأت في التراجع، بينما تعمل منظومة التكرير العالمية بالقرب من أقصى طاقتها.
كما أدى انخفاض تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز مقارنة بمستويات ما قبل الحرب إلى زيادة المخاوف بشأن الإمدادات، خاصة أن المضيق كان يمر عبره قبل الصراع نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة الأسواق على الاعتماد على بعض البدائل، مع تباطؤ السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وزيادة مشتريات الصين من النفط وتراجع المخزونات.
صدمة الطاقة تعيد شبح التضخم
حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار اضطرابات الإمدادات، بالتزامن مع تراجع المخزونات ووصول قدرات التكرير إلى مستويات مرتفعة، قد يؤدي إلى مزيد من شح أسواق النفط إذا لم يحدث تقدم في الصراعات المؤثرة على الإمدادات.
وتزيد هذه التطورات من صعوبة مهمة البنوك المركزية، التي تواجه معادلة معقدة بين احتواء التضخم من خلال أسعار الفائدة المرتفعة، وبين الضغوط المتزايدة على تكاليف المعيشة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والطاقة.
ومع استمرار صعود تكاليف الطاقة، تتزايد الضغوط على الحكومات للتدخل لحماية المستهلكين، سواء من خلال خفض الضرائب أو تقديم دعم مباشر لتكاليف الوقود، في وقت بدأت فيه بعض الدول بالفعل اتخاذ إجراءات لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار.