خلف المشاهد التي ارتبطت في وجدان الجمهور بالمولد النبوي،كانت هناك حكايات أخرى لم تصل إلى الشاشة كواليس مليئة بالمفاجآت ومواقف لم يتوقعها النجوم وظروف تصوير اختبرت قدرتهم على الاستمرار، وقرارات كادت تغير شكل بعض الأفلام بالكامل، من "بلال مؤذن الرسول" إلى "الرسالة"، لم تكن الحكاية فقط أمام الكاميرا، فماذا حدث خلفها؟ وكيف تحولت كواليس هذه الأعمال إلى قصص لا تقل إثارة عن الأفلام نفسها؟.
"بلال مؤذن الرسول".. كومبارس يرد على المخرج بطرافة
يعد "بلال مؤذن الرسول" الذي عرض عام 1953 من أقدم الأفلام المصرية التي تناولت سيرة الصحابي بلال بن رباح، وقام ببطولته يحيى شاهين وماجدة وحسين رياض ومحمود المليجي وعدلي كاسب، وأخرجه أحمد الطوخي. وتؤكد قواعد بيانات الأفلام أن العمل تناول رحلة بلال منذ معاناته وحتى إسلامه.
ومن أشهر الحكايات أثناء تصوير الفيلم في استديو النحاس، موقف طريف مع أحد الممثلين الثانويينkفقد طلب منه المخرج أن يؤدي مشهدا يمسك فيه كيس نقود بلهفة، وأن يتظاهر بالفقر، لكن الممثل رد بعفوية: "وليه بتقول المفروض، أنا كدة فعلا"، وتعود هذه الرواية إلى تغطية صحفية قديمة للكواليس أعادت نشرها مصادر صحفية لاحقاً.
وشهدت الكواليس أيضا مداعبات بين النجوم، إذ أطلق محمود المليجي، الذي جسد شخصية أمية بن خلف، على زميله عدلي كاسب لقب "مساعد كافر" في إشارة إلى طبيعة الشخصيات المعادية للإسلام التي كان يؤديها عدد من أبطال العمل.
"هجرة الرسول".. ماجدة أمام الكاميرا وخلف الإنتاج
يحمل فيلم "هجرة الرسول" إنتاج عام 1964 واحدة من أكثر قصص الكواليس قسوة، خاصة أن ماجدة الصباحي لم تكن بطلة الفيلم فقط، بل كانت أيضا منتجته، وكانت في سن صغيرة للغاية وقت خوض التجربة،وتثبت المصادر أن الفيلم أخرجه إبراهيم عمارة وشارك في بطولته ماجدة وإيهاب نافع وعدلي كاسب وسميحة توفيق وحسن البارودي.
وكشفت ماجدة في لقاءات سابقة أن التصوير في صحراء أبو رواش جرى وسط حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية، بينما كانت تعاني من المرض والحمى، لكنها واصلت التصوير بسبب صعوبة إيقاف الإنتاج.
ولم تتوقف المفاجآت عند الطقس؛ فقد ذكرت ماجدة أنها أثناء الوضوء في موقع التصوير فوجئت بعنكبوت كبير على يدها، ما تسبب في سقوطها وفقدانها الوعي، كما تعرضت خلال التصوير في كفر الزيات لحادث آخر أدى إلى نقلها للمستشفى.
وهكذا تحولت تجربة "هجرة الرسول" إلى اختبار حقيقي لماجدة، التي جمعت بين مسؤولية الإنتاج والبطولة وسط ظروف تصوير شاقة.

"فجر الإسلام".. تغيير كامل قبل خروج الفيلم
يقدم "فجر الإسلام" عام 1971 واحدة من أغرب حكايات الإنتاج بين هذه الأفلام،فقد كشف مدير التصوير سعيد شيمي أن الفيلم كان في البداية مشروعا مختلفا تماما، وكان من المقرر أن يخرجه عاطف سالم، وأن يشارك في بطولته نور الشريف وسعاد حسني.
لكن بعد تعرض عاطف سالم لحادث واعتذاره عن إخراج العمل، انتقلت المهمة إلى صلاح أبو سيف، الذي اتخذ قرارا بتغيير فريق العمل والأبطال، لتظهر في النسخة النهائية أسماء مثل نجوى إبراهيم ومحمود مرسي ويحيى شاهين وعبدالرحمن علي وسميحة أيوب.
وهذه الواقعة تكشف أن "فجر الإسلام" لم يكن مجرد مشروع تغير مخرجه، بل شهد تحولا كبيرا في شكل الفيلم وفريقه قبل ظهوره للجمهور.
"الشيماء".. سميرة أحمد تكشف سر الأغاني
جاء فيلم "الشيماء" عام 1972 من إخراج حسام الدين مصطفى، وبطولة سميرة أحمد وأحمد مظهر وأمينة رزق وغسان مطر وصلاح نظمي، وتناول شخصية الشيماء، أخت النبي صلى الله عليه وسلم في الرضاعة، والأحداث المرتبطة ببدايات الدعوة الإسلامية.
وكشفت سميرة أحمد في لقاء تلفزيوني عن جانب من كواليس الفيلم، مؤكدة أنها تشعر بالفخر تجاه التجربة، كما تحدثت عن الأغاني التي ارتبطت بالعمل، والتي قدمتها المطربة سعاد محمد، بينما كانت سميرة أحمد تؤديها في الفيلم بطريقة "البلاي باك".
كما تناولت مصادر صحفية كواليس إعداد الأغاني وتدريب سميرة أحمد عليها، إلى جانب تسجيل وتصوير أغنية "طلع البدر علينا"، وهو ما جعل الموسيقى جزءا أساسيا من ذاكرة الفيلم إلى جانب أحداثه الدرامية.

"الرسالة".. فيلم واحد بنسختين
أما "الرسالة" للمخرج مصطفى العقاد، فكانت كواليسه أكثر عالمية وتعقيدا، إذ صُور العمل بنسختين عربية وإنجليزية، مع تقديم المشاهد نفسها باللغتين وبمشاركة نجوم مختلفين.
ومن أشهر الكواليس التي رواها الفنان الراحل عبدالله غيث، الذي جسد شخصية حمزة بن عبدالمطلب في النسخة العربية، أنه كان يتوقع أن يشاهد أنتوني كوين أولا أثناء تصوير النسخة الإنجليزية، ثم يقدم المشهد نفسه بالعربية مستفيدا مما شاهده.
لكن المفاجأة جاءت عندما طلب أنتوني كوين من عبدالله غيث أن يؤدي المشهد قبله، مؤكدا أنه يريد أن يتعلم منه كيفية تقديم الشخصية العربية، من طريقة الوقوف والكلام والحركة.
وكشف غيث أيضا أنه كان يشعر بالتوتر من فكرة منافسة نجم عالمي بحجم أنتوني كوين، لكنه بعد تقديم المشهد تلقى إشادة كوين بأدائه.

علي أحمد سالم.. من الإذاعة إلى شخصية بلال
ومن كواليس "الرسالة" أيضا تجربة الفنان الليبي علي أحمد سالم، الذي جسد شخصية بلال بن رباح. وفي جلسة خصصت لمناقشة كواليس الفيلم، تحدث سالم عن ترشيحه للدور وكيف أصبح الفيلم نقطة مضيئة في مسيرته الفنية.
و اعتمدت النسختين العربية والإنجليزية على تصوير المشاهد نفسها مع اختلاف الممثلين، وهو ما جعل العمل تجربة استثنائية جمعت بين فنانين عرب ونجوم عالميين أمام الكاميرا نفسها.

كواليس بقيت أهم من المشاهد أحياناً
تكشف هذه الحكايات أن أفلام السيرة النبوية لم تكن مجرد أعمال دينية عابرة، وإنما تجارب إنتاجية واجهت ظروفا صعبة وقرارات مفاجئة ومواقف إنسانية بقيت حاضرة بعد عقود من انتهاء التصوير.
وهكذا لم تكتف السينما المصرية والعربية بتقديم حكايات من التاريخ الإسلامي، بل تركت خلفها أيضا مجموعة من القصص التي تكشف كيف صُنعت هذه الأعمال، ولماذا بقي بعضها حاضرا في ذاكرة المشاهد حتى اليوم.