دخلت حركة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة مختلفة منذ اندلاع الحرب، بعدما لم يعد الممر البحري الحيوي يعمل بالوتيرة المعتادة، وتحولت حركة السفن إلى مسارات متعددة تحكمها اعتبارات أمنية وقانونية ومالية معقدة، وتأتي هذه التطورات في واحد من أهم ممرات تجارة الطاقة عالميًا، إذ كان المضيق يمر عبره في الظروف الطبيعية ما يقارب 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة والشحن والتأمين.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير المشار إليه، عبرت نحو 3371 سفينة المضيق خلال 167 يومًا بين 28 فبراير و13 أغسطس 2026، وهو مستوى يقل بصورة كبيرة عن حركة الملاحة التي كانت قائمة قبل الحرب.
تراجع حركة السفن وتعدد مسارات العبور
كان مضيق هرمز يستقبل قبل الحرب عشرات السفن يوميًا، فيما أشارت تقديرات إلى مرور نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا عبر الممر في الظروف المعتادة، ومع اندلاع الحرب وتصاعد المخاطر الأمنية، تراجعت حركة السفن بصورة حادة، وأصبح العبور مرتبطًا بالمسار الذي تختاره شركات النقل وبالضمانات المتاحة لكل رحلة.
وأظهرت البيانات أن السفن التي واصلت استخدام المضيق لجأت إلى خيارات مختلفة، من بينها مسارات غير واضحة أو ما يعرف بالملاحة المظلمة، إلى جانب المسار الذي تفرضه إيران والمسار المحاذي للساحل العماني، بينما استُخدم المسار التقليدي السابق للحرب بوتيرة محدودة، ولا يعني انخفاض حركة السفن توقف التجارة عبر المضيق بصورة كاملة، لكنه يعكس انتقالها إلى نموذج أكثر تعقيدًا، ترتفع فيه احتمالات التأخير والحوادث وتكاليف التشغيل والتأمين.
وأصبحت تكاليف التأمين أحد أبرز الأعباء الجديدة على شركات الشحن، إذ قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في يوليو إلى مستويات تراوحت بين 7.5% و10% من قيمة جسم السفينة، مقارنة بمستويات أقل بكثير قبل الحرب.
وبالنسبة إلى ناقلة نفط كبيرة تبلغ قيمتها نحو 138 مليون دولار، يمكن أن تصل تكلفة التأمين على الرحلة إلى ملايين الدولارات، ما يضيف عبئًا مباشرًا إلى تكلفة نقل الخام ويجعل المخاطر الجيوسياسية عنصرًا رئيسيًا في تسعير الرحلات البحرية. وتشير بيانات سوق التأمين إلى أن بعض التقديرات السابقة وضعت تكلفة التغطية لناقلة بهذه القيمة في نطاق 10 إلى 14 مليون دولار للرحلة.
إيران وعُمان ومسارات جديدة للملاحة
برز المسار الذي تدفع إيران السفن إلى استخدامه بمحاذاة ساحلها كأحد الخيارات الرئيسية للعبور، بالتزامن مع محاولات طهران فرض ترتيبات جديدة لتنظيم حركة السفن وتحديد شروط المرور.
وشملت هذه الترتيبات مطالب مرتبطة بالتأمين وتنظيم العبور، فيما أظهرت تقارير سابقة أن بعض السفن دفعت مبالغ وصلت إلى مليوني دولار مقابل المرور، قبل أن تدخل ترتيبات مؤقتة ومفاوضات جديدة على خط الأزمة.
وفي المقابل، يمثل المسار المحاذي للساحل العماني خيارًا آخر أمام شركات الشحن، إلا أن الخلافات بين الأطراف بشأن آلية المرور والرسوم والضمانات القانونية تجعل استخدام المسارات المختلفة محل حسابات دقيقة من جانب ملاك السفن وشركات التأمين، وتعقد العقوبات الأمريكية الصورة أكثر، إذ استهدفت واشنطن في يوليو كيانات مرتبطة بترتيبات التأمين والمرور التي أنشأتها إيران في المضيق، ما يضيف مخاطر مالية وقانونية على الشركات التي تتعامل مع هذه الجهات.
وفي أحدث المقترحات المتعلقة بإدارة حركة الملاحة، ظهرت خلافات بشأن الرسوم المحتملة، حيث تحدثت تقارير عن مقترح إيراني لفرض نسبة تتراوح بين 5% و7% من قيمة الشحنة، بينما طرحت عُمان نسبة أقل، في حين تتمسك الولايات المتحدة بمبدأ المرور دون رسوم. وأثارت هذه الترتيبات اعتراضات داخل قطاع الشحن بسبب تداعياتها القانونية والتأمينية.
وأصبحت بعض السفن تعتمد على إيقاف أجهزة التتبع أو تقليل البيانات المتاحة عن مواقعها، فيما يعرف بالملاحة المظلمة، بهدف تقليل احتمالات كشف مسارها. غير أن هذا الأسلوب يرفع في المقابل مخاطر التصادم ويضعف قدرة شركات التأمين على متابعة السفن، كما قد يخلق مشكلات تتعلق باستمرار التغطية التأمينية، وتكشف أزمة مضيق هرمز أن تأثير الحرب لا يقتصر على انخفاض عدد السفن العابرة، وإنما يمتد إلى إعادة توزيع تكلفة التجارة نفسها، بعدما أصبحت شركات النقل أمام أقساط تأمين مرتفعة ومسارات أكثر تعقيدًا واحتمالات أكبر للتأخير، إلى جانب مخاطر العقوبات والرسوم.
ومع استمرار المفاوضات بشأن مستقبل حركة الملاحة، لم يعد السؤال يقتصر على كون المضيق مفتوحًا أو مغلقًا، بل أصبح مرتبطًا بالمسار الذي يمكن للسفن استخدامه والتكلفة التي ستتحملها والضمانات الأمنية والقانونية التي سترافق عملية العبور.
ويمثل هذا التحول عامل ضغط إضافيًا على سوق الطاقة العالمية، خاصة أن مضيق هرمز يظل نقطة عبور رئيسية للنفط والغاز، وهو ما يجعل استمرار الاضطرابات عاملًا قادرًا على التأثير في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين خلال الفترة المقبلة، وقد انعكست بالفعل حالة عدم اليقين بشأن إعادة فتح المضيق على أسعار النفط في أغسطس، مع استمرار المخاوف المرتبطة بمستقبل حركة الملاحة.