كشف أثري مصري جديد.. مقابر ومدينة سكنية تكشف تاريخ شرق الدلتا عبر العصور

صوت |
السبت 08/08/2026 03:57 م
كشف أثري مصري جديد.. مقابر ومدينة سكنية تكشف تاريخ شرق الدلتا عبر العصور
كشف أثري

كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار عن مجموعة مهمة من الاكتشافات الأثرية بمنطقة آثار كوم الخلجان في محافظة الدقهلية، تضمنت جبانة امتد استخدامها عبر فترات تاريخية متعاقبة بدأت من عصور ما قبل الأسرات ووصلت إلى العصرين اليوناني والروماني، إلى جانب بقايا منطقة سكنية ترجع إلى عصر الانتقال الثاني، في اكتشاف يضيف معلومات جديدة حول تاريخ الاستيطان والحياة اليومية في شرق الدلتا على مدار آلاف السنين.

وأشاد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، بما حققته البعثة من نتائج، موضحًا أن الكشف يمثل أهمية علمية كبيرة لدراسة تاريخ منطقة الدلتا ومراحل تطورها الحضاري، كما يعكس مستوى الخبرة التي يتمتع بها الأثريون المصريون وقدرتهم على تنفيذ أعمال التنقيب والكشف عن المواقع الأثرية المهمة، بما يدعم جهود الدولة في الحفاظ على التراث المصري والتعريف بتنوعه الحضاري.

وأكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن نتائج الحفائر تؤكد المكانة الأثرية لمنطقة كوم الخلجان، التي تعد من المواقع المهمة في شرق الدلتا، خاصة أنها تكشف عن مراحل متتابعة من الاستيطان والعادات الجنائزية وطبيعة علاقة السكان بالبيئة المحيطة، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني، مشيرا إلى أن أعمال التنقيب داخل الموقع ما زالت متواصلة، مع استمرار تقديم الدعم اللازم للبعثة بهدف استكمال أعمالها والوصول إلى مزيد من الشواهد التي تساعد في فهم تاريخ المنطقة.

مقابر تعود إلى عصور ما قبل الأسرات

أوضح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن أقدم الآثار التي ظهرت في كوم الخلجان ترتبط بحضارة مصر السفلى، المعروفة بمرحلتي بوتو الأولى وبوتو الثانية، والتي تعود إلى النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد، وعثرت البعثة في هذه المنطقة على عدد من المقابر البسيطة المحفورة داخل طبقات الرمال، وجاءت معظمها في صورة حفر بيضاوية ضمت دفنات اتخذت أوضاعًا مختلفة، وهو ما يعكس تنوع بعض الممارسات الجنائزية خلال تلك المرحلة المبكرة من تاريخ مصر.

ولم تكن محتويات المقابر كثيرة، إذ اقتصرت بصورة أساسية على أوانٍ فخارية صغيرة مصنوعة يدويًا، إلى جانب بعض أصداف المحار البحري، بينما تشير أعداد الدفنات المكتشفة إلى أن الموقع شهد وجود تجمع سكاني ملحوظ منذ عصور مبكرة للغاية، كما كشفت الحفائر عن منطقة سكنية ومجموعة أخرى من المقابر تعود إلى عصر الانتقال الثاني واستمر استخدامها حتى عصر الدولة الحديثة، حيث ظهرت بقايا مبانٍ مشيدة من الطوب اللبن، فضلًا عن صوامع لتخزين الحبوب وأفران ومواقد، وهي عناصر تقدم صورة عن طبيعة الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية التي مارسها سكان المنطقة.

ومن بين العناصر المعمارية اللافتة التي ظهرت بالموقع الجدران المتعرجة المعروفة باسم Sinusoidal Walls، والتي كانت من السمات المعمارية التي عُرفت خلال الفترة الممتدة من الدولة الوسطى وحتى الدولة الحديثة، حيث أحاطت بعدد من المنشآت السكنية والجنائزية.

وأسفرت أعمال التنقيب أيضًا عن العثور على كميات متنوعة من الأدوات واللقى الأثرية، من بينها الفخار والأدوات الحجرية، إلى جانب أعداد كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، وهو ما يمكن أن يساعد الباحثين في التعرف بصورة أكبر على النظام الغذائي وأنماط المعيشة التي اتبعها سكان كوم الخلجان خلال عصر الانتقال الثاني.

أهمية كوم الخلجان عبر العصور

وشملت الاكتشافات عددًا من المقابر التي يرجع تاريخها إلى الأسرات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، بالإضافة إلى بدايات عصر الدولة الحديثة، وهو ما يؤكد استمرار الاستيطان في المنطقة خلال فترة الهكسوس، خاصة مع موقعها القريب من مدينة أواريس، التي ارتبطت بعاصمة الهكسوس في شرق الدلتا، وتنوعت أشكال المقابر المكتشفة بين المصاطب والمقابر التي تميزت بوجود كورنيش، كما أظهرت الدراسات الأولية اختلافات في طرق الدفن والفئات العمرية الموجودة داخل المقابر، إلى جانب تنوع الممارسات والعادات الجنائزية التي اتبعها سكان المنطقة.

وضمت الدفنات مجموعة من الأدوات والمواد التي كانت توضع مع الموتى، من بينها الحلي والتمائم والجعارين والأدوات والأسلحة البرونزية، فضلًا عن الأواني الفخارية والقنينات المعروفة باسم فخار تل اليهودية، الذي يعد من أبرز السمات الأثرية المرتبطة بهذه المرحلة التاريخية.

وقال الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري، إن أعمال البعثة أسفرت كذلك عن اكتشاف مقبرة مبنية بالطوب اللبن تعود إلى بدايات الأسرة الثامنة عشرة، وعُثر بداخلها على عدد من الأواني الفخارية والأدوات البرونزية، كما كشفت أعمال التنقيب عن أساسات مبنى ضخم نسبيًا شُيدت جدرانه من الطوب اللبن، وتم العثور على كسرات فخارية وأدوات حجرية في أرضيته، وتساعد هذه المكتشفات في تأريخ المبنى إلى بدايات الدولة الحديثة.

ولم يتوقف استخدام الموقع عند هذه الفترات، إذ كشفت الحفائر عن آثار تعود إلى العصر البطلمي، من بينها عدد من حفر الدفن البسيطة، وكان من أبرزها دفنة لطفل وُضع داخل أمفورتين جرى إعادة استخدامهما كوعاء للدفن، وهي ممارسة جنائزية عُرفت في تلك الفترة، وتؤكد هذه النتائج أن منطقة كوم الخلجان لم تكن موقعًا عابرًا، وإنما ظلت مأهولة ومستخدمة لأغراض مختلفة خلال مراحل متعاقبة من التاريخ المصري، وهو ما يمنح الاكتشاف أهمية خاصة في دراسة تطور الاستيطان والعادات الجنائزية والحياة اليومية في شرق الدلتا.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً