في أحد أحياء شبرا الخيمة، تتجسد مأساة أسرة مصرية دفعت ثمن إدمان الأب للمخدرات، لتتحول حياة الزوجة وأطفالها إلى دائرة من الخوف والعنف والحرمان. وتكشف هذه القصة كيف يضرب الإدمان جذور الأسرة المصرية، ويهدد النساء والأطفال بأشكال متعددة من العنف والوصم والانكسار.
شهادة زوجة مدمن في شبرا الخيمة
قالت "أم محمد"، وهي سيدة تبلغ من العمر 35 عامًا، إن حياتها انقلبت رأسًا على عقب بعد أن سلك زوجها طريق الإدمان، موضحة أنه بدأ بتعاطي الحشيش قبل أن ينتقل إلى مواد مخدرة أشد خطورة، من بينها "البودر".
وأضافت أن زوجها أصبح يتعامل معها ومع أبنائه بالإهانة والاعتداءات اللفظية والجسدية، قائلة: "بقى يسيب بيته وما يسألش في عياله، وكل حاجة فيها ضرب وشتايم، ووقت ما بيكون متعاطي ما بيبقاش واعي هو بيعمل إيه أو قدامه مين".
وأكدت أن زوجها لم يعد يتحمل أي مسؤولية تجاه أسرته، بعدما كان في بداية زواجهما حسن المعاملة، إلا أن الإدمان غيّر سلوكه بالكامل.
وأوضحت أنها اضطرت إلى مغادرة شقتها الكائنة في شارع الجامع بمنطقة شبرا الخيمة، بسبب انتشار تجارة وتعاطي المخدرات في المنطقة، قائلة: "الشارع كان مليان مخدرات بكل أنواعها، وتحت البيت كانوا بيبيعوا، وعيالي ما كانوش هيعرفوا يعيشوا هناك".
وأضافت: "عندي ثلاثة أولاد، محمد في الصف الثاني الإعدادي، وسندس في الصف السادس الابتدائي، ومش عارفة أعمل إيه علشان أحافظ عليهم وعلى مستقبلهم. سبت الشقة واستأجرت مكانًا آخر، وطلبت من جوزي نبدأ صفحة جديدة، لكنه رفض وفضل على حاله".
وكشفت عن تعرضها لموقف صادم عندما حاول أحد أصدقاء زوجها التحرش بها داخل منزلها خلال إحدى جلسات التعاطي، مؤكدة أن الإدمان لم يدمر زوجها فقط، بل دمر الأسرة بأكملها.
وقالت: "دلوقتي بشتغل في البيوت علشان أصرف على عيالي، لأنه رافض يتحمل أي مسؤولية أو ينفق عليهم".
وأشارت إلى أن انتشار تجارة المخدرات في المنطقة كان أحد أسباب تفاقم الأزمة، مؤكدة أن زوجها كان يتعاطى المخدرات أمام أطفاله دون وعي أو إدراك لخطورة ما يفعله.
وأضافت: "من بعد وفاة والدي وأنا اللي شايلة مسؤولية البيت. كان هو ضهري وسندي، لكن بعد إدمان جوزي بقيت لوحدي في مواجهة كل حاجة".
واختتمت حديثها قائلة: "بشتغل في أتيليه وبراتبي 750 جنيه بس، فهل المبلغ ده يكفي أعيش أنا وعيالي؟".
استشارية علاج الإدمان: النساء الأكثر تضررًا رغم قلة تعاطيهن
من جانبها، قالت الدكتورة ألفت علام، استشاري العلاج النفسي والإدمان وخبيرة العلاج الأسري والزواجي، إن النساء يُعدن الأكثر تضررًا من الإدمان رغم أنهن الأقل تعاطيًا للمواد المخدرة، لأن المدمن لا يتحمل تبعات إدمانه بمفرده، بل تمتد آثاره إلى جميع أفراد الأسرة.
وأضافت، في تصريحات خاصة لـ"صوت"، أن الإدمان يؤثر بشكل مباشر على الموارد الاقتصادية للأسرة، حيث يستنزف المدمن دخل المنزل لتوفير المواد المخدرة، ما ينعكس سلبًا على احتياجات الزوجة والأبناء.
وأوضحت أن المدمن قد يلجأ إلى العنف الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي عندما لا تُلبى مطالبه، ما يجعل النساء أكثر عرضة للإيذاء بمختلف أشكاله.
وأكدت أن الوصم المجتمعي يمثل عبئًا إضافيًا على النساء، إذ تتأثر سمعة الزوجة والبنات داخل المجتمع بسبب وجود شخص مدمن داخل الأسرة، وهو ما يدفع كثيرات إلى الصمت وتحمل المعاناة خوفًا من نظرة المجتمع.
وأضافت أن الإدمان داخل البيت المصري غالبًا ما يبدأ بمرحلة من الإنكار، حيث تحاول الأسرة التقليل من حجم المشكلة أو اعتبارها مجرد تجربة عابرة، قبل أن تتفاقم وتظهر آثارها بوضوح من خلال التدهور الدراسي أو فقدان العمل أو تصاعد المشكلات الأسرية.
وأشارت إلى أن من أبرز الأنماط المتكررة في الأسر التي تعاني من الإدمان، لجوء المدمن إلى بيع مقتنيات المنزل أو الاستيلاء على أموال الأسرة لتوفير ثمن المواد المخدرة، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد العنف والمشكلات داخل المنزل.
كما لفتت إلى أن بعض المدمنين يتورطون في مشكلات قانونية نتيجة الاستدانة أو السرقة أو ارتكاب مخالفات تحت تأثير المخدرات، ما يضيف أعباء مالية ونفسية جديدة على أسرهم.
وأكدت أن النساء اللاتي يعشن مع مدمنين غالبًا ما يعانين من الاكتئاب المزمن والقلق المستمر واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية، نتيجة الضغوط النفسية المتراكمة والخوف الدائم من المستقبل.
وأضافت أن الثقافة المجتمعية كثيرًا ما تلقي باللوم على المرأة، وتضغط عليها للاستمرار في العلاقة الزوجية رغم الأضرار الجسيمة التي تتعرض لها، بحجة الحفاظ على الأسرة والأبناء.
تأثير الإدمان على الأطفال
وأوضحت الدكتورة ألفت علام أن الأطفال الذين ينشأون داخل أسر تعاني من الإدمان يواجهون مخاطر نفسية واجتماعية كبيرة، نتيجة غياب الشعور بالأمان وكثرة المشكلات والعنف داخل المنزل.
وأضافت أن هؤلاء الأطفال قد يعانون من تراجع المستوى الدراسي، أو يميلون إلى السلوك العدواني أو الانطواء، كما ترتفع احتمالات تكرار السلوك الإدماني لديهم في المستقبل مقارنة بغيرهم.
المجتمع المدني والحلول الممكنة
وأكدت خبيرة العلاج النفسي أن مؤسسات المجتمع المدني يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في مواجهة تداعيات الإدمان داخل الأسرة، من خلال نشر الوعي بمخاطره، وتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للنساء المتضررات.
وشددت على أهمية توفير دور إيواء آمنة للنساء اللاتي يتعرضن للعنف على يد الأزواج أو الأبناء المدمنين، إلى جانب إتاحة برامج تأهيل نفسي وجلسات دعم بأسعار مناسبة.
كما دعت إلى إطلاق حملات توعية تستهدف النساء بشكل مباشر، وتساعد في كسر حاجز الصمت والخوف من الوصم المجتمعي، مؤكدة أن النماذج الواقعية لنساء نجحن في تجاوز هذه التجارب تمثل مصدر إلهام ودعم للمتضررات.
محامٍ حقوقي: نحتاج إلى قانون موحد لمواجهة العنف ضد النساء
وفي السياق ذاته، قال المحامي الحقوقي عمرو عبد الرحمن، في تصريحات خاصة لـ"صوت"، إن مواجهة هذا النوع من الانتهاكات ترتبط بوجود إطار تشريعي أكثر فاعلية لحماية النساء والفتيات.
وأوضح أن المطالبة بإصدار قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات أصبحت ضرورة ملحة، لما يوفره من ضمانات لحماية الضحايا والشهود، فضلًا عن تضمينه صورًا من العنف غير المنصوص عليها بشكل كافٍ في التشريعات الحالية.
وأضاف أن بعض الجرائم المرتبطة بالعنف الأسري ما زالت تخضع لتطبيق مواد قانونية تمنح القاضي سلطة تخفيف العقوبة في بعض الحالات، وهو ما يستدعي مراجعة تشريعية تضمن تحقيق العدالة وحماية الضحايا بشكل أكبر.
وأكد أن وجود قانون شامل لمكافحة العنف ضد النساء من شأنه أن يسهم في الحد من هذه الانتهاكات، ويوفر آليات أكثر فاعلية للحماية والدعم والمساءلة القانونية.