د. يسري الشرقاوي يكتب: «العدالة الدولية على المحك: واقع الفساد الكوني وآليات التصدي له»

صوت |
السبت 11/07/2026 03:40 م
د. يسري الشرقاوي يكتب: «العدالة الدولية على المحك: واقع الفساد الكوني وآليات التصدي له»
دكتور يسرى الشرقاوى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة
ك
كاتب

يشهد العالم اليوم تحوّلاً خطيراً في مفهوم العدالة الدولية، التي باتت على المحك بشكلٍ غير مسبوق. لم تعد المؤامرات والصراعات الخفية مجرد هواجس أو شعارات يرفعها المتضررون، بل أصبحت واقعاً ملموساً يمتد إلى مجالاتٍ حيويةٍ كانت تبدو بمنأى عنها. فبعد أن كانت الصراعات العالمية تتركز في الساحة السياسية التقليدية، انتقلت اليوم إلى الرياضة والصحة العامة والصحة الحيوانية والنباتية، وأسعار النفط والغذاء والمياه، واستغلال الموارد الطبيعية، فضلاً عن السيطرة على قطاعاتٍ استراتيجيةٍ مثل النقل والشحن البحري. نحن نعيش بوضوحٍ في عصر السيادة والغطرسة، حيث تُوظف المنظمات الدولية أحياناً لخدمة مصالح ضيقة، وتُتلاعب بمقدرات الشعوب، وتُقيَّد القرارات الوطنية. هذا الزحف يتطلب مواجهةً جادةً من القيادات القارية والدولية لاستعادة العدالة في كافة المجالات.

تكشف الوقائع عن فسادٍ ممنهجٍ في المنظمات الدولية والكيانات العابرة للحدود. ففي مجال الرياضة مثلاً، كشفت فضيحة الفيفا عام ٢٠١٥ عن دفع رشاوى وعمولاتٍ غير قانونيةٍ تجاوزت ١٥٠ مليون دولار أمريكي لمسؤولين في الاتحاد واتحاداته القارية، مقابل حقوق البث والتسويق واستضافة بطولاتٍ مثل كأس العالم.وقد أدت التحقيقات الأمريكية إلى اعتقال عشرات المسؤولين وتوجيه اتهاماتٍ بالرشوة والاحتيال وغسل الأموال، مما أضر بسمعة اللعبة الشعبية الأولى عالمياً وأثّر على نزاهة المنافسات.

أما في مجال الصحة، فقد أظهرت جائحة كوفيد-١٩ فساداً واسعاً في إدارة المساعدات والمشتريات واللقاحات. في الولايات المتحدة وحدها، قُدِّرت الخسائر الناتجة عن الاحتيال في برامج الإغاثة الوبائية بأكثر من ١٠٠ مليار دولار، مع اتهام آلاف الأفراد والشركات، بينما تجاوزت التحقيقات الفيدرالية خسائر محتملة تصل إلى مئات المليارات في برامج مثل قروض الإصابات الاقتصادية. عالمياً، سُجّلت حالات تضخمٍ في أسعار المعدات الطبية ومناقصاتٍ مشبوهةٍ في دولٍ عدة، مما أدى إلى إهدار موارد كان يمكن توجيهها لإنقاذ الأرواح.

في قطاع الموارد والطاقة، يبرز برنامج “النفط مقابل الغذاء” التابع للأمم المتحدة في العراق (١٩٩٦-٢٠٠٣) كمثالٍ كلاسيكيٍ على الفساد الدولي. سمح البرنامج ببيع نفطٍ عراقيٍ بقيمةٍ تزيد على ٦٥ مليار دولار لتمويل الاحتياجات الإنسانية، لكن تحقيقات لجنة فولكر ومكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي كشفت عن سرقةٍ وتهريبٍ غير قانونيٍ تجاوز ١٠-١١ مليار دولار لصالح النظام العراقي آنذاك، بالإضافة إلى رشاوى وعمولاتٍ من شركاتٍ دوليةٍ بلغت ملياراتٍ أخرى حيث ساهم سوء الإدارة والرقابة الدولية في تمكين هذا الفساد.

أما في الشحن البحري والنقل، فقد أدت الهجمات في البحر الأحمر (٢٠٢٣-٢٠٢٥) إلى انخفاض حركة قناة السويس بنسبةٍ تصل إلى ٥٠٪، وتراجع إيرادات مصر منها بنحو ٤٠٪، مع ارتفاع تكاليف الشحن العالمية بشكلٍ حاد (مؤشر دروري للحاويات ارتفع بنسبٍ كبيرةٍ على مسارات آسيا-أوروبا) حيث أدى ذلك إلى زيادة تكاليف الغذاء والطاقة عالمياً، وتأخير الإمدادات، مما يعكس كيف يمكن استغلال نقاط الاختناق البحرية للتأثير على الاقتصادات الوطنية وتقييد حرية التجارة.

كل هذه الوقائع تؤكد أن السيطرة على المنظمات الأممية والقطاعات الحيوية لم تعد مجرد اتهامات، بل أنماط متكررة من التلاعب بمصائر الشعوب لصالح قوى مهيمنة.

لمواجهة هذا الزحف الظالم وتحقيق العدالة الدولية، يتعين على القيادات القارية والدولية اتباع آلياتٍ عمليةٍ ومتكاملة على النحو التالي:

١. الإصلاح الهيكلي للمنظمات الدولية: توسيع عضوية مجلس الأمن الدائمة لتشمل تمثيلاً أوسع للدول النامية، وتقييد استخدام حق النقض (الفيتو) في القضايا الإنسانية، مع تعزيز دور مكاتب الرقابة الداخلية المستقلة مثل مكتب خدمات الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة.   ٢. تعزيز الشفافية والمساءلة: إلزام المنظمات والشركات العابرة للحدود بنشر بيانات العقود والمشتريات عبر منصاتٍ رقميةٍ مفتوحة، واستخدام تقنياتٍ مثل البلوكشين لتتبع تدفقات المساعدات والموارد، مع حماية المبلغين عن المخالفات.  

٣. بناء تحالفات متعددة الأقطاب: تفعيل دور مجموعات مثل البريكس+ والاتحاد الأفريقي وآسيان في صياغة بدائل تمويلية وتجارية عادلة، وتعزيز التعاون جنوب-جنوبي لتقليل الاعتماد على آليات أحادية الجانب.  

٤. تطبيق آليات قطاعية متخصصة: في الرياضة، إنشاء هيئات حكمٍ مستقلة مع رقابةٍ دوليةٍ ملزمة؛ في الصحة، ضمان توزيعٍ عادلٍ للقاحات والموارد عبر صناديق شفافة؛ في الموارد الطبيعية، تطبيق معايير مثل مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) مع تطبيق عقوباتٍ على المخالفين؛ وفي الشحن البحري، تعزيز التعاون الدولي لحماية الممرات الاستراتيجية وتنويع طرق التجارة.  

٥. الرقابة والتنفيذ: إنشاء محاكم أو لجان تحقيقٍ دوليةٍ مستقلةٍ للجرائم العابرة للحدود، وربط المساعدات الدولية بمعايير الحوكمة والشفافية، مع دعم بناء القدرات الوطنية في الدول النامية.

إن استمرار هذا الوضع يهدد الاستقرار العالمي ويفاقم الظلم.لذا فعلى القيادات أن تتحرك الآن نحو نظامٍ دوليٍ أكثر عدلاً وتوازناً، يضع مصالح الشعوب فوق المصالح الضيقة. أن العدالة الدولية ليست حلماً بعيداً، بل ضرورةٌ ملحةٌ يمكن تحقيقها بالإرادة الجماعية والآليات الفعالة وغيابها ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لاختلال موازين القوى وغياب آليات المحاسبة. ولن تستقيم الأمور إلا بإصلاحٍ حقيقي للمنظومة الدولية، يقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام سيادة الدول. فالعالم الذي تحكمه المصالح الضيقة لا يمكن أن يدوم، والطريق الوحيد لاستقرار البشرية هو العودة إلى مبدأٍ بسيط: العدالة للجميع، لا للأقوى فقط.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً