دراسات أثارت تساؤلات حول تأثيرات جينية محتملة.. وخبراء يؤكدون غياب دليل قاطع على ضرر مباشر على الانسان
قد تبدو مجرد مادة بيضاء تمنح بعض المنتجات الغذائية مظهرًا أكثر إشراقًا وجاذبية، لكن ثاني أكسيد التيتانيوم تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر المضافات الغذائية إثارة للجدل عالميًا، بعدما أثارت دراسات علمية تساؤلات حول تأثير محتمل على الحمض النووي داخل الخلايا البشرية.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بسلامة الغذاء والمواد النانوية، انتقل هذا المركب من كونه مجرد مكون يستخدم لتحسين الشكل الخارجي للمنتجات إلى ملف علمي وصحي معقد ما زال محل نقاش بين الباحثين والجهات الرقابية حول العالم.
ما هو ثاني أكسيد التيتانيوم؟
ثاني أكسيد التيتانيوم (TiO₂) مركب كيميائي أبيض اللون يتميز بقدرته العالية على عكس الضوء ومنح المنتجات لونًا أكثر بياضًا وإشراقًا.
واستخدمت المادة لعقود طويلة في العديد من الصناعات، من بينها الدهانات ومستحضرات التجميل والأدوية وبعض المنتجات الغذائية، حيث كانت تعرف كمضاف غذائي يحمل الرمز (E171).
وكان الهدف الأساسي من استخدامها تحسين المظهر الخارجي للمنتجات دون إضافة أي قيمة غذائية أو تأثير على الطعم.
بداية القصة.. لماذا أثارت المادة مخاوف العلماء؟
بدأ الجدل العلمي مع ظهور دراسات ركزت على الجسيمات متناهية الصغر أو ما يعرف بالجسيمات النانوية الموجودة في بعض صور المادة الصناعية.
وتتميز هذه الجسيمات بأحجام دقيقة للغاية تسمح لها بالتفاعل مع الخلايا والأنسجة الحيوية بصورة تختلف عن الجسيمات التقليدية الأكبر حجمًا.
وبحسب نتائج عدد من الأبحاث المخبرية، قد يؤدي التعرض لهذه الجسيمات إلى زيادة مستويات ما يعرف بـ"الإجهاد التأكسدي" داخل الخلايا، وهي حالة ترتفع خلالها معدلات إنتاج الجذور الحرة التي يمكن أن تؤثر على مكونات الخلية المختلفة.
كيف يرتبط الأمر بالحمض النووي؟
يمثل الحمض النووي (DNA) المادة الوراثية الأساسية داخل الخلايا، والمسؤولة عن تخزين المعلومات الجينية وتنظيم مختلف العمليات الحيوية في الجسم.
وفي الظروف الطبيعية يتعرض الحمض النووي بصورة مستمرة لأضرار محدودة نتيجة عمليات الأيض الطبيعية أو بعض العوامل البيئية، إلا أن الجسم يمتلك أنظمة معقدة لإصلاح هذه الأضرار بشكل دائم.
لكن بعض الدراسات المعملية أشارت إلى أن زيادة الإجهاد التأكسدي الناتج عن التعرض لجسيمات دقيقة من ثاني أكسيد التيتانيوم قد يرفع احتمالات حدوث تلف جيني داخل الخلايا في ظروف تجريبية محددة.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة حدوث ضرر فعلي لدى الإنسان، لكنها تثير تساؤلات علمية تستدعي المزيد من البحث والدراسة.
ما المقصود بالسمية الجينية؟
ظهر مصطلح "السمية الجينية" بقوة في النقاشات المرتبطة بالمادة خلال السنوات الأخيرة.
ويقصد به قدرة مادة معينة على إحداث تغييرات أو أضرار محتملة في المادة الوراثية للخلايا.
ولا يعني ذلك تلقائيًا الإصابة بالسرطان أو الأمراض الوراثية، لكنه يعد مؤشرًا مهمًا تعتمد عليه الجهات العلمية عند تقييم سلامة المواد الغذائية والدوائية.
لماذا أعادت الجهات الرقابية تقييم المادة؟
دفعت النتائج العلمية المتراكمة عددًا من الجهات التنظيمية حول العالم إلى مراجعة ملف ثاني أكسيد التيتانيوم بصورة موسعة.
وخلصت بعض التقييمات إلى أن البيانات المتاحة لم تعد تسمح باستبعاد المخاطر الجينية المحتملة بشكل كامل، وهو ما أدى إلى تبني نهج احترازي في التعامل مع المادة كمضاف غذائي.
ويعتمد هذا النهج على مبدأ الحذر العلمي عندما تكون هناك شكوك لم تحسم بصورة نهائية، حتى في غياب دليل مباشر على وقوع ضرر لدى البشر.
هل ثبتت خطورتها على الإنسان؟
حتى الآن لا توجد أدلة علمية قاطعة تثبت أن استهلاك المنتجات المحتوية على ثاني أكسيد التيتانيوم بالكميات الغذائية المعتادة يؤدي إلى الإصابة بالسرطان أو الأمراض الوراثية.
كما لم تثبت الدراسات البشرية وجود علاقة مباشرة بين التعرض الغذائي للمادة وحدوث أضرار جينية مؤكدة.
ومع ذلك، يشدد العلماء على ضرورة استمرار الأبحاث لفهم التأثيرات طويلة الأمد للجسيمات الدقيقة الموجودة في بعض المنتجات الصناعية والغذائية.
بين الحقائق العلمية والشائعات
ومع تصاعد الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت ادعاءات متباينة تراوحت بين التهويل الشديد والتقليل الكامل من أهمية الملف.
إلا أن الموقف العلمي الحالي يبدو أكثر توازنًا؛ فالدراسات لم تثبت وجود خطر مباشر ومؤكد على المستهلكين، لكنها في الوقت نفسه لم تستطع استبعاد بعض المخاوف المرتبطة بالتأثيرات الجينية المحتملة بشكل نهائي.
الخلاصة
تكشف قضية ثاني أكسيد التيتانيوم عن التحديات الجديدة التي تواجه علوم سلامة الغذاء في عصر المواد النانوية والجسيمات متناهية الصغر.
فبينما لا توجد أدلة حاسمة على وجود ضرر مباشر على الإنسان عند مستويات الاستهلاك المعتادة، فإن المخاوف المرتبطة بالتأثيرات المحتملة على الحمض النووي دفعت العديد من الجهات العلمية والرقابية إلى تبني موقف أكثر تحفظًا تجاه المادة.
ويبقى الملف مفتوحًا أمام مزيد من الدراسات والأبحاث التي قد تحسم مستقبل ثاني أكسيد التيتانيوم وتحدد بصورة أكثر دقة حدود سلامته وتأثيراته المحتملة على صحة الإنسان.