الدكتور محمد عثمان لـ« صوت»: زيادة إنتاج الألبان 14% ضرورة لمواجهة النمو السكاني.. والاكتفاء الذاتي الكامل لم يتحقق بعد
إنتاج الألبان في مصر يسجل 6.6 مليون طن
أكد الدكتور محمد عثمان، خبير الإنتاج الحيواني ورئيس مجموعة لافاش، أن قطاع الألبان في مصر حقق نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذا النمو لا يزال بحاجة إلى مزيد من التوسع لمواكبة الزيادة السكانية المتسارعة والحفاظ على نصيب الفرد من الألبان خلال السنوات المقبلة.
وقال عثمان، في حوار خاص لـ موقع « صوت »، إن مصر أنتجت نحو 6.6 مليون طن من اللبن وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بزيادة تقترب من 15% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس نجاح الجهود المبذولة في تنمية قطاع الإنتاج الحيواني.
والى نص الحوار ....
بدايةً.. كيف تقرأ مؤشرات إنتاج الألبان في مصر حاليًا؟
تشير الأرقام الرسمية إلى أن إنتاج اللبن في مصر وصل إلى نحو 6.6 مليون طن، وهي زيادة جيدة تعكس تطور القطاع خلال السنوات الأخيرة. لكن عند تحليل هذه الأرقام بصورة أعمق نجد أن نحو 80% من الإنتاج يأتي من الأبقار و20% من الجاموس.
وعند ربط حجم الإنتاج بعدد السكان الحالي الذي يقترب من 109 ملايين نسمة، نجد أن نصيب الفرد من اللبن يبلغ نحو 60 لترًا سنويًا فقط، وهو رقم لا يزال أقل من المتوسط العالمي الذي يتراوح بين 90 و100 لتر للفرد سنويًا.
وهذا يعني أننا ما زلنا أمام فجوة إنتاجية حقيقية تستوجب استمرار التوسع في الإنتاج خلال السنوات المقبلة.
ما حجم الإنتاج المطلوب للحفاظ على نصيب الفرد من الألبان حتى عام 2030؟
إذا استمرت معدلات الإنتاج الحالية دون زيادة، ومع وصول عدد السكان إلى نحو 120 مليون نسمة بحلول عام 2030، فإن نصيب الفرد من الألبان سيتراجع بصورة ملحوظة.
لذلك نحن بحاجة إلى زيادة إنتاج الألبان بما لا يقل عن 14% خلال السنوات المقبلة، ليس بهدف رفع نصيب الفرد، وإنما للحفاظ على المستوى الحالي فقط ومواكبة النمو السكاني المتوقع.
وهذه النسبة تمثل الحد الأدنى المطلوب، بينما يحتاج الاقتراب من المتوسطات العالمية إلى معدلات نمو أكبر بكثير.
هل يمكن القول إن مصر حققت الاكتفاء الذاتي من الألبان؟
مصطلح الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى قدر من الدقة عند استخدامه.
إذا كان المقصود هو توفير احتياجات السوق المحلية من اللبن ومنتجاته، فإن مصر قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الاتجاه. أما إذا كنا نتحدث عن الاكتفاء الذاتي الكامل بالمعنى الاقتصادي والإنتاجي، فالأمر مختلف تمامًا.
صناعة الألبان تعتمد على منظومة متكاملة تبدأ من الأعلاف مرورًا بالإنتاج الحيواني وحتى التصنيع. وما بين 70 و80% من تكلفة الإنتاج تعتمد على خامات ومدخلات مستوردة، خاصة الصويا ومكونات الأعلاف والإضافات الغذائية.
وبالتالي فإن القطاع لا يزال يتأثر بشكل مباشر بأي تغيرات في الأسواق العالمية أو أسعار الصرف أو تكاليف الشحن والاستيراد.
الأعلاف والأمراض.. معركة مستمرة أمام المربين
ما أبرز التحديات التي تواجه قطاع الألبان رغم زيادة الإنتاج؟
هناك تحديان رئيسيان يواجهان القطاع , الأول يتعلق بالحفاظ على الثروة الحيوانية نفسها، فالأمراض والأوبئة تمثل التهديد الأكبر لاستدامة الإنتاج، خاصة أمراض الحمى القلاعية والتهاب الجلد العقدي وغيرها من الأمراض التي تؤثر على صحة الحيوانات وإنتاجيتها.
لذلك تظل برامج التحصين والوقاية خط الدفاع الأول للحفاظ على القطيع القومي وضمان استمرارية الإنتاج.
أما التحدي الثاني فهو اقتصادي بالدرجة الأولى، حيث يعتمد القطاع بصورة كبيرة على مدخلات إنتاج مستوردة، ما يجعله شديد الحساسية للتقلبات العالمية وارتفاع أسعار الأعلاف والخامات.
كيف تقيّم برامج التحسين الوراثي الحالية؟
التحسين الوراثي يمثل أحد أهم الأدوات لزيادة الإنتاجية، لكنه ليس حلًا سريعًا كما يعتقد البعض .. فنتائج هذه البرامج تحتاج عادة إلى أربع سنوات أو أكثر حتى تظهر بصورة واضحة على أرض الواقع.
كما أن استيراد السلالات عالية الإنتاجية وحده لا يكفي لتحقيق طفرة إنتاجية، لأن نجاح هذه السلالات يعتمد على جودة الإدارة والتغذية والرعاية الصحية.
قد نستورد أبقارًا لديها القدرة على إنتاج 40 كيلو جرامًا من اللبن يوميًا، لكن إذا لم تتوافر لها البيئة المناسبة فلن تحقق هذه المعدلات.
ما دور التكنولوجيا في تطوير قطاع الألبان؟
التكنولوجيا أصبحت عنصرًا حاسمًا في مستقبل صناعة الألبان ،كلما ارتفعت درجة الدقة في إدارة المزارع زادت الكفاءة الإنتاجية وانخفضت معدلات الفاقد والتكاليف غير الضرورية.
التقنيات الحديثة تتيح مراقبة الحالة الصحية للحيوانات بشكل مستمر، والاكتشاف المبكر للأمراض، وإدارة برامج التغذية والتكاثر بكفاءة أعلى، وهو ما ينعكس مباشرة على زيادة الإنتاج وتحسين الربحية.
ومن وجهة نظري، فإن التكنولوجيا ستكون العامل الفارق بين المزارع القادرة على المنافسة وتحقيق النمو وبين المزارع التي ستواجه صعوبات في الاستمرار خلال السنوات المقبلة.
هل الوقت مناسب للتوسع في تصدير الألبان ومنتجاتها؟
في الوقت الحالي أرى أن الأولوية يجب أن تكون للسوق المحلية.. ما زالت هناك فجوة بين حجم الإنتاج والاستهلاك، وبالتالي فإن التركيز يجب أن ينصب على زيادة الإنتاج وتحقيق التوازن داخل السوق المصرية أولًا.
وعندما نصل إلى مرحلة وجود فائض إنتاجي حقيقي يمكن عندها التوسع بصورة أكبر في الأسواق الخارجية وزيادة الصادرات.
كيف ترى مستقبل قطاع الألبان خلال السنوات الخمس المقبلة؟
أنا متفائل بمستقبل القطاع، لأنه من القطاعات المرتبطة باحتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
الطلب على الألبان ومنتجاتها مستمر ومتزايد مع النمو السكاني، وهو ما يمنح القطاع درجة عالية من الاستدامة والفرص الاستثمارية.
لكن النجاح خلال المرحلة المقبلة سيكون مرتبطًا بالاعتماد على الإدارة الحديثة والتكنولوجيا والتوسع في المزارع المكثفة ورفع كفاءة صغار المربين.
التحصين والتغذية والتكنولوجيا.. ثلاثية إنقاذ قطاع الألبان
ما أهم 3 إجراءات مطلوبة لزيادة الإنتاج وتقليص الفجوة؟
أولًا: تعزيز برامج التحصين ومكافحة الأمراض للحفاظ على الثروة الحيوانية.
ثانيًا: الاستمرار في برامج التحسين الوراثي والتوسع في السلالات عالية الإنتاجية.
ثالثًا: رفع كفاءة المربين وتوفير التدريب والدعم الفني والتكنولوجي لهم.
وفي النهاية، يظل العنصر البشري هو الركيزة الأساسية لنجاح أي خطة تستهدف تنمية قطاع الإنتاج الحيواني وزيادة إنتاج الألبان وتحقيق الأمن الغذائي في مصر