رغم استخدام مصطلحي الأمان الحيوي (Biosafety) والأمن الحيوي (Biosecurity) بصورة متبادلة في كثير من الأحيان، فإن المؤسسات والمنظمات الدولية تؤكد وجود اختلافات جوهرية بين المفهومين، إذ يمثل كل منهما جانبًا مختلفًا من منظومة إدارة المخاطر البيولوجية، وهو ما يجعل فهم الفروق بينهما أمرًا ضروريًا في ظل التحديات الصحية والبيطرية المتزايدة التي يشهدها العالم.
ويستعرض موقع «صوت» الفروق العلمية بين مفهومي الأمان الحيوي والأمن الحيوي، ودور كل منهما في حماية الإنسان والحيوان والبيئة، في ظل تصاعد مخاطر الأمراض العابرة للحدود، وتزايد أهمية مفهوم الصحة الواحدة (One Health) الذي ينظر إلى صحة الإنسان والحيوان والبيئة باعتبارها منظومة مترابطة لا يمكن الفصل بين عناصرها.
الأمان الحيوي.. حماية من الحوادث غير المقصودة
من الناحية العلمية، يُقصد بالأمان الحيوي (Biosafety) مجموعة المبادئ والإجراءات الفنية والهندسية والتشغيلية التي تهدف إلى منع التعرض غير المقصود للعوامل البيولوجية أو منع إطلاقها عرضيًا إلى البيئة.
ويركز الأمان الحيوي بصورة أساسية على إدارة المخاطر الناتجة عن التعامل الروتيني مع مسببات الأمراض والعينات البيولوجية داخل المختبرات والمستشفيات والمنشآت البحثية والبيطرية، بما يضمن حماية العاملين والمجتمع والبيئة من الحوادث غير المتعمدة.
وتشمل تطبيقات الأمان الحيوي تصميم المختبرات وفق مستويات الاحتواء البيولوجي المختلفة، واستخدام كبائن السلامة الحيوية، وأنظمة التهوية والضغط السالب، ومعدات الوقاية الشخصية، بالإضافة إلى إجراءات التطهير والتعقيم وإدارة المخلفات البيولوجية وبرامج التدريب وخطط الاستجابة للحوادث والانسكابات البيولوجية.
الأمن الحيوي.. منظومة أشمل لإدارة المخاطر
أما الأمن الحيوي (Biosecurity)، فيُعد مفهومًا أكثر شمولًا واتساعًا، إذ يشير إلى مجموعة التدابير الإدارية والتنظيمية والقانونية التي تستهدف منع فقد أو سرقة أو إساءة استخدام العوامل البيولوجية، وكذلك الحد من دخول مسببات الأمراض وانتشارها داخل الأنظمة الصحية والحيوانية والزراعية.
ولا يقتصر الأمن الحيوي على مواجهة المخاطر العرضية، بل يمتد ليشمل معالجة الثغرات الإدارية والتنظيمية التي قد تؤدي إلى انتشار الأمراض أو انتقالها بين الدول والمناطق المختلفة.
الفرق بين الأمان الحيوي والأمن الحيوي
يكمن الاختلاف الأساسي بين المفهومين في طبيعة المخاطر التي يتعامل معها كل منهما.
فالأمان الحيوي يركز على المخاطر غير المقصودة، مثل الحوادث المعملية أو التعرض المهني أو التسرب العرضي للعوامل الممرضة، بينما يهتم الأمن الحيوي بالمخاطر الناتجة عن سوء الإدارة أو ضعف الرقابة أو الوصول غير المصرح به أو إساءة استخدام المواد البيولوجية.
وبالتالي فإن الأمان الحيوي يتعامل مع الحوادث العرضية، في حين يركز الأمن الحيوي على الوقاية من المخاطر التنظيمية والأمنية التي قد تهدد الصحة العامة أو الثروة الحيوانية أو البيئة.
كيف يطبق الأمان الحيوي والأمن الحيوي في قطاع الصحة؟
يظهر الأمان الحيوي داخل المستشفيات والمعامل ومراكز البحوث من خلال إجراءات مكافحة العدوى والتعامل الآمن مع العينات البيولوجية وأنظمة الاحتواء المعملي للعوامل الممرضة.

في المقابل، يتمثل الأمن الحيوي في نظم الرقابة على تداول المواد البيولوجية، وتأمين المختبرات المرجعية، وحماية بنوك العينات، وإدارة المعلومات الحساسة، وضبط حركة المواد البيولوجية محليًا ودوليًا.
لماذا يحظى الأمن الحيوي بأهمية خاصة في الطب البيطري؟
في قطاع الطب البيطري يكتسب الأمن الحيوي أهمية استثنائية، إذ لا يقتصر على المختبرات والمنشآت التشخيصية، بل يمتد إلى المزارع الحيوانية والداجنة ومنشآت الإنتاج ومرافق الحجر البيطري وسلاسل الإمداد الغذائي.
وتعرف المنظمة العالمية للصحة الحيوانية (WOAH) الأمن الحيوي بأنه مجموعة التدابير الفيزيائية والإدارية والتشغيلية التي تهدف إلى تقليل احتمالات دخول مسببات الأمراض أو انتشارها أو خروجها من التجمعات الحيوانية.
وتشمل تطبيقات الأمن الحيوي تنظيم حركة الحيوانات، والحجر البيطري، والتحكم في دخول العاملين والزوار، وتطهير المركبات والمعدات، ومراقبة مصادر المياه والأعلاف، ومكافحة القوارض والحشرات، والتعامل السليم مع الحيوانات النافقة والمخلفات البيولوجية.
أزمات عالمية أبرزت أهمية التكامل بين المفهومين
أثبتت الأزمات الصحية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، مثل إنفلونزا الطيور، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وجائحة كوفيد-19، وحمى الوادي المتصدع، والسعار، والحمى القلاعية، وطاعون المجترات الصغيرة، أن امتلاك مختبرات متطورة وحده لا يكفي لمواجهة المخاطر البيولوجية.
فنجاح الدول في احتواء الأمراض الناشئة والمستجدة يعتمد على تكامل منظومتي الأمان الحيوي والأمن الحيوي ضمن إطار شامل لإدارة المخاطر البيولوجية.
إدارة المخاطر البيولوجية.. الإطار الجامع للمفهومين
ومن هنا ظهر مفهوم إدارة المخاطر البيولوجية (Biorisk Management)، باعتباره المظلة التي تجمع بين الأمان الحيوي والأمن الحيوي في منظومة واحدة تستهدف تحديد المخاطر البيولوجية وتقييمها والسيطرة عليها ومتابعتها بصورة مستمرة.
فقد تمتلك مؤسسة ما أعلى مستويات الأمان الحيوي، لكنها تظل معرضة للمخاطر إذا كانت تعاني ضعفًا في إجراءات الأمن الحيوي، والعكس صحيح.
الصحة الواحدة.. رؤية حديثة لحماية الإنسان والحيوان والبيئة
في إطار مفهوم الصحة الواحدة، لا يُنظر إلى الأمان الحيوي والأمن الحيوي باعتبارهما مسارين منفصلين، بل عنصرين متكاملين لحماية الإنسان والحيوان والبيئة في آن واحد.
فالأمان الحيوي يقلل احتمالات وقوع الحوادث البيولوجية، بينما يسهم الأمن الحيوي في منع تحول العوامل البيولوجية إلى تهديدات صحية أو اقتصادية أو بيئية نتيجة ضعف الرقابة أو سوء الإدارة.
ومع تسارع ظهور الأمراض الناشئة وتزايد الترابط العالمي، أصبح بناء أنظمة صحية وبيطرية قوية يعتمد ليس فقط على التقدم العلمي والتكنولوجي، وإنما أيضًا على تطبيق مبادئ الأمان الحيوي والأمن الحيوي بصورة متوازنة ومتكاملة، بما يعزز الأمن الصحي والأمن الغذائي والاستدامة البيئية، ويرفع جاهزية الدول لمواجهة التحديات البيولوجية في القرن الحادي والعشرين.