الصين تعيد رسم خريطة الفضة العالمية وسط توقعات بارتفاعات تاريخية

صوت |
18 مايو 2026 | 14:59
الصين تعيد رسم خريطة الفضة العالمية وسط توقعات بارتفاعات تاريخية
الفضة

ترى رانيا جول، كبيرة محللي الأسواق في شركة XS.com لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن تحركات الفضة الحالية لا يمكن اعتبارها مجرد تقلبات طبيعية في السوق، بل هي انعكاس لتغير أعمق في هيكل سوق المعدن الأبيض على مستوى العالم.

وأشارت إلى أن الفضة التي تتداول حالياً قرب مستويات 74 دولاراً، بعد أن سجلت قممًا اقتربت من 90 دولاراً، قد تكون بصدد الدخول في مرحلة جديدة من إعادة التقييم السعري، مدفوعة بعوامل اقتصادية وصناعية وجيوسياسية متداخلة.

وترى جول أن الفضة قد تتحول تدريجياً إلى أصل استراتيجي عالمي شبيه بالدور الذي لعبه الذهب خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي، مؤكدة أن السوق قد يشهد خلال الأشهر المقبلة ما يشبه “إعادة تسعير شاملة” للمعدن الأبيض.

وتوضح أن هذه العملية لن تقتصر على كونه أداة استثمارية تقليدية، بل ستشمل إعادة تعريف دوره كعنصر أساسي في البنية الصناعية للاقتصاد العالمي الحديث.

تشير البيانات الاقتصادية خلال بداية عام 2026 إلى أن الصين تتحرك وفق استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والصناعية.

وتلفت جول إلى أن استيراد بكين لأكثر من 790 طناً من الفضة خلال فترة قصيرة يعكس طلباً غير اعتيادي في سوق محدود الإنتاج، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الأسعار المحلية داخل الصين والأسعار العالمية.

هذا السلوك، بحسب تحليلها، يشير إلى استعداد الصين لدفع أسعار مرتفعة لتأمين احتياجاتها المستقبلية، وهو نمط غالباً ما يسبق موجات صعود قوية وطويلة في أسواق السلع.

لم تعد الفضة مرتبطة فقط بالطلب الاستثماري، بل أصبحت اليوم مرتبطة بشكل مباشر بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

وتوضح جول أن التوسع الكبير في صناعة الألواح الشمسية، التي تتصدرها الصين عالمياً، يعتمد بشكل أساسي على الفضة في تصنيع الخلايا الكهروضوئية عالية الكفاءة.

وبالتالي، فإن أي توسع في مشاريع الطاقة المتجددة يؤدي تلقائياً إلى زيادة الطلب الصناعي على الفضة، ما يمنحها ميزة مزدوجة تجمع بين الاستخدام الصناعي والقيمة الاستثمارية، على عكس الذهب الذي يعتمد بشكل أكبر على التحوط والاستثمار.

تشير التحليلات إلى أن الارتفاعات القوية في أسعار الذهب خلال الفترة الماضية دفعت العديد من المستثمرين الأفراد والصناديق إلى البحث عن بدائل أقل سعراً، ما جعل الفضة تُطرح كخيار استثماري جذاب.

وترى جول أن هذا الاتجاه يعكس ما يُعرف في الأسواق بسلوك “الفرصة المتأخرة”، حيث يتجه المستثمرون إلى أصول لم تصل بعد إلى ذروتها السعرية.

لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن دخول المضاربين بكثافة قد يزيد من تقلبات السوق، رغم أنه يمنح الفضة زخماً إضافياً على المدى القصير.

تلفت جول إلى أن القيود التي فرضتها الصين على تصدير الفضة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز التنظيم التجاري التقليدي.

فالسماح لعدد محدود من الشركات بالتصدير يعني عملياً إعادة توجيه تدفقات المعدن والتحكم في كميات المعروض عالمياً، وهو ما يشبه السياسات الصينية السابقة تجاه المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية.

وتشير إلى أن هذه الخطوة تعزز من فكرة أن الفضة أصبحت مورداً استراتيجياً حساساً في المعادلة الاقتصادية العالمية.

تحذر مؤسسات مالية كبرى، من بينها Goldman Sachs، من تراجع المخزونات المادية العالمية من الفضة، وهو ما قد يشكل خطراً حقيقياً على استقرار الأسواق.

وتؤكد جول أن أخطر الأزمات في أسواق السلع لا تنشأ من العقود الورقية، بل من نقص الإمدادات الفعلية القابلة للتسليم.

وفي حال استمرار الطلب الصيني القوي بالتزامن مع القيود على التصدير، فقد يشهد السوق العالمي اختناقات في الإمدادات، ما قد يؤدي إلى ارتفاعات سعرية حادة مدفوعة بعجز فعلي في العرض.

ورغم النظرة الإيجابية طويلة الأجل، تشير جول إلى أن سوق الفضة سيظل عرضة لتقلبات قوية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع نشاط المضاربة بعد موجات الصعود الأخيرة.

كما أوضحت أن أي تغييرات في السياسات النقدية العالمية أو عمليات جني أرباح واسعة قد تؤدي إلى تصحيحات سعرية حادة، إلا أن الاتجاه العام لا يزال يميل للصعود على المدى المتوسط والطويل.

تختتم رانيا جول تحليلها بالتأكيد على أن الفضة قد تكون أمام مرحلة مفصلية تعيد تعريف موقعها داخل النظام المالي العالمي.

وترى أن المعدن الأبيض لم يعد مجرد تابع لحركة الذهب، بل أصبح جزءاً من المنافسة الجيوصناعية بين القوى الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

وتشير إلى أن الصين تبدو في موقع المتحكم المتدرج في سوق الفضة العالمي، ما يجعل السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الأسعار سترتفع، بل إلى أي مدى يمكن أن تصل إذا استمرت الظروف الحالية دون تغير جذري.

وتخلص إلى أن عام 2026 قد يكون نقطة تحول تاريخية، تنتقل فيها الفضة من كونها معدنًا ثانويًا إلى أصل استراتيجي عالمي يعاد تسعيره وفق موازين قوة جديدة في الاقتصاد العالمي.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً