لم تكن حوادث القطارات التي شهدتها منطقة العياط بمحافظة الجيزة على مدار السنوات الماضية مجرد وقائع عابرة، بل تحولت إلى سلسلة من الكوارث التي تركت وراءها مئات الضحايا والمصابين، وأعادت في كل مرة فتح ملف سلامة السكك الحديدية وكفاءة منظومة التشغيل والإشارات. فمن حريق قطار الصعيد عام 2002، إلى تصادم القطارات عام 2009، وصولًا إلى الحادث الأخير في نوفمبر 2026، تتكرر مشاهد الفواجع وتختلف الأسباب، بينما يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: متى تنتهي مأساة العياط وتتوقف حوادث القطارات عن حصد الأرواح؟
حريق قطار الصعيد.. البداية الأكثر دموية
بدأت سلسلة الكوارث الكبرى في 20 فبراير 2002، عندما اندلعت النيران داخل القطار رقم 832 المتجه من القاهرة إلى أسوان، أثناء رحلته إلى صعيد مصر لقضاء إجازة عيد الأضحى.
وبدأت المأساة إثر انفجار موقد غاز داخل إحدى عربات البوفيه، لتنتشر النيران سريعًا بين العربات، فيما واصل القطار سيره لمسافة تقدر بنحو 9 كيلومترات والنيران مشتعلة، قبل أن يتوقف، وهو ما تسبب في تفاقم أعداد الضحايا.
وأسفر الحادث عن وفاة 361 شخصًا وفق الحصيلة الرسمية، وإصابة نحو 66 آخرين بحروق وإصابات متفاوتة، لتصبح الواقعة واحدة من أسوأ كوارث السكك الحديدية في مصر. وعقب الحادث، تقدم وزير النقل آنذاك إبراهيم الدميري باستقالته، كما خضع عدد من مسؤولي السكك الحديدية للمحاكمة.
2009.. تصادم جديد يعيد المأساة إلى الواجهة
وبعد مرور 7 سنوات، عادت العياط لتشهد حادثًا مأساويًا جديدًا في 24 أكتوبر 2009، إثر تصادم قطارين، بعدما اصطدم القطار الأول المتجه من الجيزة إلى الفيوم بحيوان أثناء عبوره شريط السكة الحديد، ما دفع سائقه إلى التوقف على القضبان.
وفي أثناء ذلك، فوجئ سائق قطار آخر قادم من القاهرة إلى أسيوط بالقطار المتوقف أمامه، فاصطدم به من الخلف، ما أدى إلى تحطم وانقلاب عدد من العربات، وسقوط نحو 30 قتيلًا وإصابة قرابة 60 آخرين وفق الأرقام المتداولة عن الحادث.
وأعاد التصادم وقتها الجدل حول إجراءات تأمين حركة القطارات وكفاءة منظومة الإشارات، كما تقدم وزير النقل آنذاك محمد منصور باستقالته، وأحيل عدد من العاملين بالسكك الحديدية للمحاكمة على خلفية الاتهامات المتعلقة بالإهمال والتقصير.
2026.. حادث جديد وعودة مشاهد التصادم
ولم تتوقف حوادث العياط عند هذا الحد، إذ شهدت المنطقة في 8 نوفمبر 2026 تصادمًا جديدًا بين القطار رقم 134 القادم من الجيزة والمتجه إلى الفيوم، ومؤخرة القطار رقم 2010 القادم من القاهرة والمتجه إلى أسوان، وذلك بين محطتي كفر عمار والرقة.
وأسفر التصادم عن خروج عدد من العربات عن القضبان، وسقوط ضحايا ومصابين، حيث أشارت التقديرات الأولية للنيابة العامة إلى وفاة 7 أشخاص وإصابة 114 آخرين، من بينهم قائد القطار رقم 134.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة تسجيل 4 وفيات و88 مصابًا في بيانها الصادر آنذاك، مشيرة إلى مشاركة 72 سيارة إسعاف في نقل المصابين إلى مستشفيات الواسطى والعياط وأطفيح.
وعلى الفور، انتقلت النيابة العامة إلى موقع الحادث لإجراء المعاينة، وأمرت بتشكيل لجنة فنية متخصصة لفحص القطارات والقضبان، وبيان الأسباب التي أدت إلى التصادم، والتحقق من وجود أي قصور في إجراءات التشغيل أو اشتراطات السلامة.
لماذا تتكرر كوارث القطارات بالعياط؟
وبقراءة الحوادث الثلاثة، يتضح أن القاسم المشترك بينها هو حجم الخسائر البشرية التي خلفتها، وما أعقب كل واقعة من تحقيقات وتحركات لمحاسبة المسؤولين والبحث عن أسباب الخلل. كما أعادت الحوادث المتكررة طرح تساؤلات بشأن كفاءة منظومة السكك الحديدية، ومدى الالتزام بإجراءات التشغيل والصيانة وتأمين حركة القطارات.
ورغم اختلاف الأسباب المباشرة، بين حريق إحدى العربات في حادث 2002، والتوقف والتصادم في 2009، واصطدام قطارين في 2026، فإن تكرار الكوارث يفرض ضرورة مراجعة منظومة السلامة بالكامل، وعدم الاكتفاء بالتحقيقات التي تبدأ بعد وقوع الحوادث.
متى تنتهي مأساة العياط؟
يبقى السؤال الأهم: متى تنتهي مأساة العياط؟ فالمطلوب لا يقتصر على كشف أسباب الحادث الأخير وتحديد المسؤوليات، بل يمتد إلى اتخاذ إجراءات حقيقية تضمن عدم تكرار هذه المشاهد، من خلال تطوير أنظمة الإشارات والتحكم، ورفع كفاءة القطارات والقضبان، والتأكد من انتظام أعمال الصيانة، وتطبيق اشتراطات السلامة بصورة صارمة.
فبينما تكشف التحقيقات ملابسات كل حادث، تظل الوقاية وتطوير منظومة التشغيل هما السبيل لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، حتى لا تتحول العياط إلى عنوان دائم لكوارث القطارات في مصر.