أصبحت العملية الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطة بعمليات التلاعب السرية والعلنية، وهي ممارسات يقوم بها كلا الحزبين الكبيرين لحسم الأصوات لصالحهم داخل الدوائر الانتخابية.
وكشفت صحيفة «إلموندو» الإسبانية، إن فهم النظام الانتخابي في الولايات المتحدة يبدو سهلاً وعاماً في نظرة سريعة، لكن استيعاب تفاصيله الحقيقية أمر شبه مستحيل؛ فهو يشمل قواعد معقدة، وإجراءات تسجيل واقتراعات غريبة تماماً عن المعايير الأوروبية، فضلاً عن قيود تاريخية، وألاعيب سياسية، ومنااولات متعمدة لحرمان مجتمعات بأكملها من حق التصويت، وصولاً إلى تعقيدات إحصائية هائلة.
وتعتبر الولايات المتحدة جمهورية فدرالية تتولى فيها كل ولاية تنظيم انتخاباتها، مع وجود قواعد داخلية تختلف من ولاية لأخرى، حيث يتألف الكونجرس من غرفتين؛ مجلس النواب ويضم 435 مقعداً يتم تجديدها بالكامل كل عامين، ومجلس الشيوخ الذي يضم عضوين عن كل ولاية بفترات نيابية تمتد لست سنوات، ويُجدد ثلث أعضائه تقريباً في كل دورة انتخابية ثنائية، ويتم انتخاب أعضاء النواب في دوائر ذات مقعد واحد، حيث يفوز المرشح الحاصل على أكبر عدد من الأصوات، حتى وإن لم يحقق الأغلبية المطلقة. وهذا تماماً ما سيحدث في الثالث من نوفمبر القادم فيما تُعرف بـ انتخابات التجديد النصفي (Midterms).
ولكن، رغم أن هذه المبادئ تبدو بديهية، إلا أن ما يحيط بها معقد للغاية. ويُعد أحد أكثر العناصر إثارة للجدل وذات الوزن الاستثنائي في انتخابات عام 2026، مرتبطاً بتكوين الحدود الجغرافية والتوزيع الديموغرافي لكل واحد من تلك الدوائر الـ 435 التي ينقسم إليها البلد. لتحديد عدد الدوائر – وبالتالي المقاعد – المخصصة لكل ولاية، ينص الدستور على إجراء إحصاء رسمي كل 10 سنوات؛ وكان آخر إحصاء في عام 2020 على أن يُجرى التالي في عام 2030.
وفي أغلب الولايات، تتولى المجالس التشريعية المحلية عملية إعادة ترسيم الدوائر، بينما تفوض ولايات أخرى هذه المهمة إلى لجان مستقلة. وهنا تكمن الثغرة الخطيرة: إذا عمد الجهة التي ترسم الخريطة إلى حشر الناخبين المنافسين في عدد قليل من الدوائر (Packing)، أو توزيعهم على دوائر كثيرة لضمان عدم فوزهم قط (Cracking)، فإنه يصبح قادراً على تغيير نتيجة الانتخابات جذرياً، وتعرف هذه الممارسة بـ التلاعب بالدوائر الانتخابية (Gerrymandering).
رسم خرائط للدوائر الإنتخابية بغرض سياسي
تاريخياً، استغل الحزبان التعدادات الجديدة للقيام بشتى أنواع الهندسة الديموغرافية بهدف تعزيز نفوذهما، كأن يتم نقل شوارع أو أحياء بأكملها من منطقة لأخرى، نظراً لتوفر بيانات دقيقة للغاية تظهر الاتجاه التصويتي شبه منزل بمنزل، سيما في المناطق ذات التمايز العرقي أو الاقتصادي الواضح. أما المستجد في السنوات الأخيرة، فهو أن الأحزاب باتت تتخلى عن مواربتها، وتتدخل علناً للتلاعب بالنظام بهدف تحقيق مكاسب حاسمة، ودون حاجة لانتظار التعدادات أو اختلاق الأعذار.
يشير تحليل لمعهد «بيوي» للبحوث إلى أنه: "من بين 40 عملية إعادة ترسيم لدوائر الكونجرس التي رصدها المعهد بين عام 1970 وأغسطس 2025، تم إقرار أو فرض 36 منها بأحكام قضائية. وقبل عام 2025، أقدمت ولايتان فقط على إعادة ترسيم الدوائر طواعية لتحقيق مكاسب حزبية.
ومنذ صيف 2025، اعتمدت 10 ولايات خرائط جديدة خارج الدورة المعتادة"، وفقاً لبيانات من "PolicyMap" وكلية الحقوق بجامعة لويولا. وقد نجحت ثماني ولايات في تطبيق ذلك (باستثناء ميسوري وألاباما لأسباب مختلفة)، وستُستخدم تلك الخرائط في انتخابات الثالث من نوفمبر.
ترامب والتلاعب بخرائط الدوائر الانتخابية
بدأت القصة في صيف 2025 عندما طلب دونالد ترامب من الجمهوريين في تكساس إعادة رسم الخريطة لتحصين غالبيته الضيقة في مجلس النواب، ووصل الأمر بالديمقراطيين إلى مغادرة الولاية فعلياً لتعطيل النصاب القانوني وتأخير التصويت، ولكن، وبعد مشاحنات حادة، أقرت الخريطة الجديدة في جلسة استثنائية ثانية – متضمنة خمسة دوائر تميل بوضوح للمحافظين – ووقعها حاكم الولاية، ورغم أن محكمة فدرالية أوقف العمل بها في نوفمبر بدعوى التمييز العرقي، إلا أن المحكمة العليا عادت وألغت حظرها.
تلتها ولايات مثل ميسوري (التي ستعرض الخريطة للاستفتاء الشهر المقبل)، وكارولاينا الشمالية، وتينيسي، فلوريدا، وأوهايو. وفي المقابل، ردت ولايتا فرجينيا (حيث أوقف القضاء خطوتها حالياً) وكارولاينا، بينما اعتمدت كاليفورنيا – كبرى ولايات البلاد – "المقترح 50" عبر استفتاء في نوفمبر، متضمنة خريطة جديدة تلغي عملياً خمسة دوائر جمهورية وتعيد التوازن للمشهد، ورفضت المحكمة العليا في 4 فبراير الطعن الجمهوري ضدها.
أما يوتا فكانت حالة استثنائية، حيث فرضت المحكمة خريطة تخلق دائرة ديمقراطية مضمونة في مقاطعة سالت ليك، ولم ينجح المسعى الجمهوري لإلغاء القانون في الوصول إلى ورقة الاقتراع.
وفي كارولاينا الشمالية، أقر المجلس التشريعي الجمهوري في أكتوبر 2025 خريطة جديدة لم تشمل كامل الولاية بل اقتصرت على تعديل الدائرتين 1 و3 في الشرق، فيما ظلت الدوائر الاثنتي عشرة الأخرى على حالها.
كيف يتم التلاعب بالأصوات عبر الخرائط
وتعتبر الدائرة 1 – التي يمثلها الديمقراطي دون ديفيس وذات الثقل التاريخي للتمثيل الأفروأمريكي – تحولت من منطقة متوازنة تقريباً إلى دائرة تتمتع فيها المعسكر الجمهوري بميزة تقديرية تبلغ ثماني نقاط، وذلك ببساطة عبر نقل ست مقاطعات ساحلية ذات أغلبية جمهورية من الدائرة 3 إلى الدائرة 1، وفي المقابل نُقلت أربع مقاطعات داخلية أكثر تنافسية من الدائرة 1 إلى الدائرة 3.
أما في إنديانا، ورغم الضغوط الهائلة من البيت الأبيض – بما في ذلك زيارة نائب الرئيس فانس – قاوم مجلس الشيوخ المحلي ذو الأغلبية الجمهورية إعادة رسم الخريطة، رغم تعهد الرئيس بفرض عقوبات. وبالفعل تحققت العقوبات، إذ خسر ستة من سبعة أعضاء جمهوريين صوتوا ضد التلاعب بالدوائر الانتخابية ترشيحهم في انتخابات عام 2026 التمهيدية أمام مرشحين مدعومين من واشنطن. وحدث أمر شبيه في كارولاينا الجنوبية عندما انضم 12 جمهورياً إلى الديمقراطيين لوقف العملية.
دور المحكمة العليا في وقف التلاعب بالدوائر الإنتخابية
وهنا تدخلت المحكمة العليا؛ ففي قضية "لويزيانا ضد كالايس"، اتخذت المحكمة العليا قراراً حاسماً شددت فيه الشروط اللازمة للطعن في الخرائط الانتخابية بدعوى إضعاف أصوات الأقليات استناداً إلى القسم 2 من قانون حقوق التصويت لعام 1965. وسارعت عدة ولايات جنوبية يحكمها الجمهوريون إلى تفكيك الدوائر الانتخابية التي تضم تجمعات سكانية واسعة للأقليات العرقية.
أهم تلك القضايا وقعت في ألاباما؛ فالولاية تضم سبع دوائر لاختيار ممثلين فدراليين، ونحو 27% من سكانها من الأمريكيين من أصول أفريقية. الخريطة الجمهورية التي كانت سارية حتى عام 2023 لم تكن تنتج سوى دائرة واحدة ذات أغلبية سوداء، رغم حكم المحاكم المحلية بضرورة تغييرها لمنحهم فرصة حقيقية لانتخاب ممثلين في دائرة ثانية. وهذا ما حدث بالفعل في نوفمبر 2024.
غير أن المحكمة العليا تدخلت وقررت ضرورة إعادة تفسير حماية أصوات الأقليات الواردة في قانون 1965 – الصادر في أتون معركة الحقوق المدنية – في ضوء الدستور الذي يحد من استخدام العرق معياراً لتوزيع المواطنين على الدوائر الانتخابية.
وتحديداً، لا يمكن لمن يتقدمون بدعاوى تمييز بحجة أن الخريطة تضعف أصوات الأقليات أن يكتفوا بإثبات أن خريطة بديلة ستتيح للناخبين السود (مثلاً) اختيار مرشحهم المفضل، بل يجب عليهم أيضاً إثبات أن تلك الخريطة تعمل بكفاءة مساوية وفق المعايير التقليدية للتقسيم الانتخابي، مثل الاستمرارية الجغرافية، والتماسك، واحترام مجتمعات الاهتمام المشترك.