على مدار خمس سنوات، لم تشهد المنظومة الصحية في مصر مجرد تطوير، بل خضعت لعملية إعادة بناء شاملة انتقلت بها من مربع انتظار المرض وعلاجه، إلى مرحلة استباقه والوقاية منه، قفزة نوعية قادتها الدولة عبر مبادرات رئاسية ومشروعات قومية عملاقة، وضعت القاهرة في مصاف الدول التي يحتذى بتجربتها الصحية دوليا.
فيروس سي.. حينما أصبحت مصر نموذجا عالميا يدرس في الصحة
توجت الجهود المصرية في هذا الملف بإنجاز غير مسبوق، ففي أكتوبر 2023، منحت منظمة الصحة العالمية مصر لقب أول دولة على مستوى العالم تبلغ "المستوى الذهبي" في مسار القضاء على فيروس التهاب الكبد الوبائي سي.
الأرقام تكشف حجم الإنجاز؛ فقد هوى معدل انتشار المرض من 7% عام 2015 إلى 0.24% فقط مطلع عام 2026، بنسبة تراجع بلغت 96.5%، جاء ذلك بعد أن نجحت حملة "100 مليون صحة" في مسح أكثر من 60 مليون مواطن وتقديم العلاج المجاني لأكثر من 4 ملايين مصاب.
وعلى صعيد الوقاية، انحسرت العدوى الجديدة من 300 حالة لكل 100 ألف نسمة في 2014 إلى 9 حالات فقط في 2022، محققة وفرا على خزينة الدولة قدر بنحو 15.9 مليار جنيه.
ولم يتوقف الاعتراف الدولي عند هذا الحد، حيث نالت مصر شهادات دولية بالقضاء على الملاريا في 2024، والتراكوما في نوفمبر 2025، فضلا عن السيطرة على فيروس التهاب الكبدي بي بين الأطفال، وشلل الأطفال ومرض الفيلاريا.
278 مليون خدمة مجانية.. المبادرات الرئاسية تتحول لجيش أبيض
لم تعد المبادرات الرئاسية مجرد حملات مؤقتة، بل تحولت إلى مشروع قومي للعدالة الصحية، ووفقا لتقرير حكومي حديث، نجحت 16 مبادرة رئاسية في تقديم ما يزيد عن 278.5 مليون خدمة طبية مجانية، استفاد منها حوالي 94 مليون مواطن، وهو ما أهل مصر لحصد جائزة الأمم المتحدة لمكافحة الأمراض غير السارية لعامي 2024 و2025.
وتتصدر مبادرة دعم صحة المرأة المشهد بأكثر من 69.4 مليون زيارة للكشف المبكر عن سرطان الثدي، أسهمت في تقليص فترة الوصول للعلاج من 270 يوما في 2018 إلى 49 يوما فقط في 2026.
وفي ملف الأمراض المزمنة، تم فحص ما يزيد عن 21.7 مليون مواطن للكشف عن الاعتلال الكلوي والسكري والضغط، بالتوازي مع مبادرات فحص المقبلين على الزواج، وحديثي الولادة للأمراض الوراثية، وبرنامج فحص السمع الذي قفزت نسبة تغطيته من صفر عام 2019 إلى 83.72% في 2026.
أما على صعيد صحة الأجيال الجديدة، فقد حققت مبادرات المدارس نتائج لافتة، حيث انخفضت معدلات الأنيميا بين الطلاب من 42.3% عام 2019 إلى 7.81% عام 2026، وتراجعت نسبة التقزم من 6.9% إلى 3.8%، مع استمرار برامج رعاية كبار السن.
12 ضعفا في الإنفاق.. أرقام تكشف حجم الاستثمار في صحة المصريين
كشف الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، عن طفرة غير مسبوقة في التمويل الصحي، حيث ارتفع الإنفاق الحكومي من 42 مليار جنيه في 2014 إلى 511 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2025/2026، أي بزيادة تتجاوز 12 ضعفا.
وعلى الأرض، تم الانتهاء من تنفيذ نحو 1000 مشروع لتطوير المستشفيات والوحدات الصحية، فيما يجري العمل حاليا على أكثر من 300 مشروع جديد تستهدف إضافة 20 ألف سرير جديد، ومضاعفة أسرة الرعاية المركزة 2.5 مرة، مع وصول عدد المنشآت الصحية الحاصلة على اعتماد معايير الجودة إلى 945 منشأة.
نهاية معاناة الانتظار.. 3 ملايين عملية جراحية مجانا
طوت الدولة صفحة معاناة طال انتظارها، فمنذ انطلاق مبادرة إنهاء قوائم الانتظار عام 2018، تم إجراء أكثر من 3 ملايين عملية وتدخل جراحي دقيق، بتكلفة إجمالية تخطت 38 مليار جنيه، شملت جراحات القلب المفتوح وتغيير المفاصل وزراعة الكلى وعلاج الأورام.
وفي السياق ذاته، تضاعفت خدمات العلاج على نفقة الدولة، لترتفع من 964 ألف مريض في 2014 إلى 2.2 مليون مريض في 2024، بإجمالي 22.8 مليون مستفيد خلال عشر سنوات، وبتكلفة بلغت 142.2 مليار جنيه.
من التأمين الشامل إلى الذكاء الاصطناعي.. مصر تدخل عصر الطب الرقمي
تتسارع خطى الدولة نحو تعميم منظومة التأمين الصحي الشامل لتغطي كافة محافظات الجمهورية، بالتزامن مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية التي تعتمد على ميكنة الخدمات والسجلات الطبية الإلكترونية وتطبيقات الطب عن بعد وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التشخيص.
وعلى صعيد توطين الصناعة، نجحت هيئة الدواء المصرية في الحصول على المستوى الثالث للنضج وفقا لتقييم منظمة الصحة العالمية، كما تم تدشين التحالف المصري لمصنعي اللقاحات بهدف توطين صناعة اللقاحات والمستحضرات الحيوية وتحقيق الاكتفاء الذاتي.