دراسة علمية تكشف تشابهًا لافتًا بين أفكار فرويد ونظريات الدماغ الحديثة

صوت |
الثلاثاء 20/10/2026 06:46 م
دراسة علمية تكشف تشابهًا لافتًا بين أفكار فرويد ونظريات الدماغ الحديثة
فرويد

كشفت دراسة علمية حديثة عن أوجه تشابه لافتة بين أفكار عالم النفس سيغموند فرويد، التي طرحها قبل أكثر من 130 عامًا، ونظرية حديثة في علم الأعصاب تصف الدماغ بأنه «آلة تنبؤ» تستبق الأحداث وتفسر المعلومات الحسية وفقًا للتجارب والتوقعات السابقة، وفقًا لما نشره موقع Science Daily نقلًا عن دورية Entropy.

وتسلط الدراسة الضوء على الروابط المحتملة بين التحليل النفسي وعلم الأعصاب المعرفي، وتوضح كيف يمكن للتجارب الماضية والتوقعات المتراكمة أن تؤثر في إدراك الإنسان للواقع، وطريقة اتخاذ القرارات، وتنظيم المشاعر، والتفاعل مع الآخرين.

الدماغ.. آلة تتوقع الأحداث قبل وقوعها

تعتمد نظرية الدماغ التنبؤي على أن المخ لا يكتفي باستقبال المعلومات القادمة من البيئة المحيطة والاستجابة لها، بل يعمل باستمرار على توقع ما قد يحدث، ثم يقارن هذه التوقعات بالمعلومات التي تستقبلها الحواس، ويحاول تقليل الفجوة بين ما يتوقعه وما يحدث فعليًا.

ووفقًا للباحث إريك ستانيكي وزملائه، تتقاطع هذه الرؤية مع أفكار طوّرها التحليل النفسي على مدار أكثر من قرن، إذ اهتم هذا المجال بكيفية تشكيل الخبرات السابقة والتجارب العاطفية توقعات الإنسان وسلوكه، حتى عندما لا يكون مدركًا لتأثيرها بصورة واعية.

ويرى الباحثون أن هذا التقاطع قد يفتح المجال لفهم أعمق للعلاقة بين العمليات العصبية داخل الدماغ والتجارب النفسية التي يعيشها الإنسان.

كيف تؤثر أفكار فرويد في تفسير الواقع؟

على الرغم من اختلاف المناهج المستخدمة في علم الأعصاب والتحليل النفسي، فإن الدراسة تشير إلى احتمال تكاملهما في تفسير بعض جوانب التفكير والسلوك البشري.

فعلم الأعصاب يبحث في الآليات البيولوجية التي تحكم التفكير والإدراك والاستجابة للمؤثرات، بينما يركز التحليل النفسي على العمليات اللاواعية والتجارب العاطفية والعلاقات السابقة، وكيف يمكن لهذه العوامل أن تنعكس على السلوك الحالي.

ويعني ذلك أن إدراك الإنسان للأحداث لا يعتمد دائمًا على المعلومات المتاحة أمامه وحدها، بل قد يتأثر أيضًا بما اكتسبه من خبرات سابقة وما كوّنه من توقعات بشأن نفسه والآخرين.

«الإسقاط».. عندما تفرض التجارب الماضية تفسيرها على الحاضر

من أبرز أوجه التشابه التي تناولتها الدراسة العلاقة بين مفهوم «الإسقاط» في التحليل النفسي وآليات التنبؤ في علم الأعصاب.

ويشير الإسقاط في التحليل النفسي إلى نسبة مشاعر أو نوايا أو صفات معينة إلى الآخرين، بينما يوضح نموذج الدماغ التنبؤي كيف يستخدم المخ الخبرات السابقة لتفسير المواقف الجديدة، حتى عندما تكون المعلومات المتاحة غير حاسمة.

فعلى سبيل المثال، قد يصبح الشخص الذي تعرض للرفض مرارًا أكثر حساسية تجاه الإشارات التي يعتقد أنها تدل على رفض الآخرين له. وقد يفسر تعبيرًا غامضًا على وجه شخص آخر أو تعليقًا عاديًا باعتباره انتقادًا أو عداءً، رغم عدم وجود دليل واضح يؤكد هذا التفسير.

ومع تكرار هذه التجارب، قد تتحول التوقعات السابقة إلى نمط ثابت يؤثر في العلاقات الجديدة، ويجعل الشخص يتعامل مع المواقف المختلفة من خلال منظور تشكل بفعل خبراته الماضية.

الاستدلال الإدراكي والاستدلال النشط

توضح الدراسة أن علم الأعصاب يميز بين عمليتين أساسيتين تساعدان في فهم كيفية تعامل الدماغ مع التوقعات.

الاستدلال الإدراكي: عملية يفسر الدماغ من خلالها المعلومات الحسية، ويحدّث توقعاته عندما تظهر أدلة جديدة لا تتفق مع تصوره السابق.

الاستدلال النشط: يتضمن اتخاذ أفعال أو القيام بسلوكيات تساعد في تقليل عدم اليقين أو جعل التجارب أقرب إلى توقعات الفرد.

ويساعد هذا التمييز في تفسير كيفية تأثير التوقعات على السلوك؛ فقد يراجع الإنسان اعتقاده عندما يكتشف أنه غير صحيح، لكنه قد يتصرف أحيانًا بطريقة تدفع الآخرين إلى الاستجابة بما يتوافق مع توقعاته الأصلية.

وبذلك، لا تقتصر تأثيرات التوقعات على طريقة فهم الأحداث، بل يمكن أن تمتد إلى الأفعال التي يتخذها الإنسان والنتائج التي يساهم في صنعها.

لماذا يتمسك البعض بالتوقعات السلبية؟

يرى الباحثون أن التشابه بين التحليل النفسي ونموذج الدماغ التنبؤي قد يساعد في تفسير استمرار بعض أنماط التفكير والسلوك، حتى عندما تكون مؤذية أو لا تتناسب مع الواقع.

ويسعى الدماغ إلى تقليل عدم اليقين والحفاظ على قدر من الاستقرار، وهو ما يرتبط بمفهوم «التوازن الحيوي»، الذي يشير إلى قدرة الأنظمة الحية على الحفاظ على استقرار نسبي في حالتها الداخلية.

وفي هذا السياق، قد تبدو التوقعات المألوفة أكثر سهولة في التعامل من تغيير التصورات الراسخة، حتى لو كانت هذه التوقعات سلبية أو غير دقيقة.

فعلى سبيل المثال، قد يتوقع بعض الأشخاص باستمرار أن يتعرضوا للنقد أو الرفض أو العدائية، فيفسرون المواقف المحايدة باعتبارها دليلًا على صحة مخاوفهم. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تكرار أنماط مؤذية في العلاقات، وصعوبة بناء علاقات جديدة قائمة على الثقة.

ويشير هذا التفسير إلى أن استمرار بعض الأعراض النفسية قد يرتبط بتوقعات عميقة اكتسبها الفرد عبر تجاربه، وليس فقط بالمعتقدات التي يستطيع التعبير عنها بوعي.

الذاكرة الإجرائية ودورها في تشكيل العلاقات

تلفت الدراسة الانتباه أيضًا إلى أهمية التمييز بين ما يؤمن به الإنسان بصورة واعية وما تعلمه من خلال تجاربه المتكررة.

وفي هذا الإطار، تبرز «الذاكرة الإجرائية»، وهي أحد أشكال الذاكرة طويلة المدى المسؤولة عن اكتساب العادات والمهارات التي يمكن تنفيذها دون الحاجة إلى التفكير الواعي في كل خطوة.

ويرى الباحثون أن بعض أنماط التفاعل العاطفي والاجتماعي قد تعمل بطريقة مشابهة؛ إذ يكتسب الإنسان استجابات معينة من خلال علاقاته السابقة، ثم يعيد تكرارها بصورة تلقائية في مواقف جديدة.

وقد يفسر ذلك استمرار بعض ردود الفعل حتى عندما يدرك الشخص منطقيًا أن الموقف الحالي يختلف عن التجارب التي مر بها في الماضي.

كيف يمكن أن تساعد هذه النتائج في العلاج النفسي؟

تشير الدراسة إلى أن الربط بين التحليل النفسي وعلم الأعصاب قد يسهم في تطوير فهم أكثر شمولًا لبعض المشكلات النفسية، خاصة تلك المرتبطة بأنماط التفكير والسلوك المتكررة والعلاقات الشخصية.

فبدلًا من التركيز على الأفكار الواعية وحدها، قد يتطلب العلاج النفسي أحيانًا التعامل مع التجارب العاطفية والأنماط العلائقية التي تشكلت على مدار سنوات.

ويمكن للتجارب الجديدة داخل العلاقة العلاجية أن تساعد المريض تدريجيًا على اختبار توقعاته ومراجعتها، عندما يكتشف أن التفاعل مع الآخرين لا يؤدي بالضرورة إلى النتائج السلبية التي اعتاد توقعها.

ومع تكرار التجارب التي تتحدى التصورات القديمة، قد يتمكن الفرد من تطوير طرق مختلفة لفهم المواقف والتعامل معها، وبناء علاقات أكثر مرونة.

ومع ذلك، فإن أوجه التشابه التي تناقشها الدراسة لا تعني أن أفكار فرويد ونظريات علم الأعصاب الحديثة متطابقة، بل تشير إلى وجود تقاطعات محتملة بين المجالين يمكن أن تساعد في تفسير بعض جوانب العقل والسلوك البشري.

اقرأ أيضاً