لم يكد البيت الأبيض يلتقط أنفاسه بعد تعيين متحدثة جديدة، حتى وجد نفسه أمام فضيحة مهنية انتهت بأسرع إقالة في تاريخ المنصب، سبعة أيام فقط كانت كافية لتضع كاتي زكريا خارج أسوار البيت الأبيض، بعد أن تحولت من رمز للولاء المطلق للرئيس دونالد ترامب، إلى عبء سياسي وإعلامي أجبر الرئيس نفسه على التخلي عنها.
قرار رئاسي ينهي أقصر ولاية
أفاد مستشارون مقربون من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن الرئيس قرر إنهاء مهام المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من توليها المنصب رسميا.
وقال ترامب، في تصريحات مقتضبة للصحفيين، قبيل مغادرته متجها إلى ولاية جورجيا، إنه طلب من زكريا أن تعيد النظر في استمرارها، موضحا أنه لا يعتقد أنها بحاجة حقيقية لهذه الوظيفة الضاغطة.
وأضاف أنه سيترك لها حرية اتخاذ القرار النهائي بعد عودته إلى واشنطن، لكنه لم يخف تشكيكه في قدرتها على القيام بدور المتحدث الرئيسي باسم الإدارة الأمريكية، في ظل حساسية المرحلة.
من هي كاتي زكاريا؟
من دهاليز المحاماة المعقدة في كاليفورنيا، إلى مقاعد الاستشارة في العاصمة الصينية بكين، وصولا إلى قيادة الذراع الإعلامية لإمبراطورية "تروث سوشيال"، خطت كاتي زكاريا مسيرة استثنائية عنوانها الولاء المطلق لتيار "أميركا أولا، فهي محامية وإعلامية محافظة تبلغ من العمر 42 عاما، تنحدر من أصول أميركية صقلية، وتقدم نفسها دائما كابنة كاليفورنيا الأصلية حيث ولدت ونشأت في لوس أنجليس عام 1984، وسط عائلة محافظة.
تلقت تعليمها كاملا في جامعة ببردين العريقة، وحصلت على البكالوريوس في العلوم السياسية عام 2007، ثم الدكتوراه في القانون عام 2011 من كلية كاروسو للحقوق التي تشغل فيها حاليا عضوية مجلس العميد، وهي متزوجة وأم لأربعة أطفال.
بدأ شغفها السياسي مبكرا حين ترأست منظمة الجمهوريين بالكلية وتدربت في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري وفي البيت الأبيض إبان إدارة جورج بوش الابن، أما مهنيا، فتنقلت بين مناصب بارزة، فعملت منذ يونيو 2026 مستشارة اتصالات رئيسية لمجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا المالكة لمنصة تروث سوشيال، وشغلت منصب المستشار القانوني العام لمنظمة "فيكس كاليفورنيا" المحافظة، كما عملت متحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي ونائبة لمساعد الوزير للشؤون العامة.
ويمتد حضورها دوليا، حيث أمضت ثلاثة أعوام في بكين كمستشارة خارجية للبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، فضلا عن ظهورها الدائم كمحللة سياسية وقانونية على شبكات "فوكس نيوز" و"نيوزماكس" و"سي إن إن"، قبل أن يختارها الرئيس ترامب لتصبح سادس متحدثة باسم البيت الأبيض في إدارتيه، واصفا إياها بـ "المؤيدة المخلصة والوفية لحركة MAGA"، خلفا لكارولين ليفيت التي غادرت المنبر نحو شاشات التلفزة.
المؤتمر اليتيم الذي فجر الأزمة
بدأت الأزمة الحقيقية مع أول ظهور إعلامي لزكريا يوم الثلاثاء الماضي، والذي وصف بالكارثي بكل المقاييس، فخلال مؤتمرها الصحفي الأول، بدت المتحدثة متوترة ومرتبكة، ولم تتمكن من الإجابة سوى عن ثلاثة أسئلة فقط قبل أن تنهي المؤتمر على عجل، حيث لم يمر هذا الأداء الباهت مرور الكرام، بل فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات التي طالت كفاءتها وخبرتها، وأثارت تساؤلات جدية داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول معايير الاختيار في إدارة ترامب.
شهادة المحاماة المزعومة.. القشة التي قصمت الظهر
وما زاد الطين بلة، هو الجدل الذي انفجر حول خلفيتها القانونية، فقد أقرت زكريا بنفسها بأنها لم تجتز امتحان نقابة المحامين، ورغم ذلك كانت تقدم نفسها على أنها محامية، وفي محاولة للدفاع عن نفسها، قالت إنها استشارت متخصصين قانونيين أكدوا لها أن استخدام هذا الوصف أمر مقبول، إلا أن صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن خبراء قانونيين تأكيدهم أن عدم حصولها على ترخيص مزاولة المهنة في ولاية كاليفورنيا لا يسمح لها قانونا بتقديم نفسها كمحامية مرخصة، وهو ما وضع مصداقيتها على المحك.
استيقاظ في الثالثة فجرا من أجل 6 دقائق
وفي مقابلة حاولت فيها تبرير ما حدث، كشفت "زكريا"، عن كواليس يومها الأول، قائلة إنها استيقظت في الثالثة صباحا للتحضير لأول مؤتمر صحفي، والذي لم يستمر سوى أقل من ست دقائق بسبب ضيق جدول أعمال الرئيس، مضيفه أنها تحاول حاليا التركيز فقط على أنشطة الرئيس وتصريحاته، متجاهلة تماما التغطيات الإعلامية التي تتناول شخصها وأداءها.
ورغم أن ترامب كان قد دافع عنها في البداية وأشاد بولائها الشديد واعتبر أن وسائل الإعلام تعاملت معها بغير إنصاف، إلا أن الضغوط المتزايدة والانتقادات التي لم تتوقف، دفعته في النهاية إلى اتخاذ قرار الإطاحة بها، ليؤكد مرة أخرى أن البيت الأبيض في عهده لا مكان فيه إلا لمن يثبت كفاءته تحت الأضواء.