مجدي البدوي: العامل ليس «وقودًا» للتكنولوجيا.. ونحتاج تحولًا رقميًا عادلًا يحمي حقوق العمال

صوت |
الثلاثاء 15/09/2026 03:14 م
مجدي البدوي: العامل ليس «وقودًا» للتكنولوجيا.. ونحتاج تحولًا رقميًا عادلًا يحمي حقوق العمال
مجدي البدوي

أكد مجدي البدوي، الأمين العام للاتحاد العربي للتعليم والطباعة والإعلام، أن المرحلة المقبلة تفرض على منظمة العمل العربية والحركة النقابية العربية تطوير أدوات التعامل مع المتغيرات المتسارعة في سوق العمل، مشددًا على ضرورة أن يكون العامل شريكًا في صناعة المستقبل، وليس مجرد متلقٍ لنتائج التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

جاء ذلك خلال كلمته في الدورة الخامسة والعشرين لمؤتمر العمل العربي، التي استهلها بتوجيه التهنئة إلى فايز المطيري بمناسبة تجديد الثقة فيه والتمديد له مديرًا عامًا لمنظمة العمل العربية، معتبرًا أن هذا التمديد لا يمثل مجرد إجراء إداري، وإنما يعكس تجديدًا للثقة في مسيرة منظمة تضطلع بمسؤولية الدفاع عن العمل والعمال، في ظل مرحلة وصفها بأنها من أكثر المراحل تحديًا في تاريخ عالم العمل العربي.

وأعرب البدوي عن تطلعه إلى أن تشهد المرحلة المقبلة منظمة عمل عربية أكثر حضورًا وتأثيرًا، وأكثر ارتباطًا بقضايا العمال والتحديات التي تواجههم، في ظل عالم عمل يشهد تغيرات متسارعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واقتصاد المنصات، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والصراعات التي تهدد ملايين العمال ومصادر رزقهم.

وشدد على أن الدفاع عن حقوق العمال لم يعد يمكن أن يقتصر على الأساليب التقليدية، مؤكدًا أن الحكومات وأصحاب الأعمال والحركة النقابية ومنظمة العمل العربية تقع على عاتقها مسؤولية مشتركة لضمان وضع الإنسان في قلب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وألا يتحول العامل إلى الحلقة الأضعف في سباق التطور.

وأشار إلى أن قواعد سوق العمل تغيرت بصورة واضحة، مع تقدم التكنولوجيا ودخول الروبوتات إلى مجالات كانت حكرًا على الإنسان، فضلًا عن الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في إعادة تشكيل الوظائف وأنماط العمل.

وأوضح البدوي أن الحركة النقابية لا تقف ضد التطور أو التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، لكنها ترفض أن يتحول العامل إلى "وقود" لهذا التطور، مؤكدًا دعم التكنولوجيا عندما تسهم في زيادة الإنتاج وتحسين ظروف العمل وخلق فرص جديدة، ورفض استخدامها لتقليص حقوق العمال أو الاستغناء عنهم دون بدائل، أو تحويلهم إلى مجرد أرقام داخل منظومات إلكترونية لا يعرفون آليات عملها ولا يستطيعون الاعتراض على قراراتها.

وأكد أن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع غياب العدالة في توزيع ثمار التطور وتكاليفه، مشددًا على ضرورة أن تصل فوائد التقدم إلى العامل كما تصل إلى أصحاب الأعمال والاقتصاد، وأن يكون العامل شريكًا في عملية التحول وليس مجرد متلقٍ لنتائجها.

وطالب المؤتمر بضرورة الانتقال من مجرد الحديث عن التحول الرقمي إلى وضع قواعد واضحة لتحول تكنولوجي عادل ومنصف، داعيًا إلى إعداد ميثاق عربي يضع حقوق العامل في صميم هذا التحول، ويضمن التدريب وإعادة التأهيل، ويوفر الحماية الاجتماعية للعمال الذين قد يفقدون وظائفهم نتيجة التطور التكنولوجي خلال مراحل الانتقال.

وقال إن الوظائف والمهن والتكنولوجيا يمكن أن تتغير، لكن حق الإنسان في العمل والكرامة والحماية الاجتماعية يجب ألا يتغير، مؤكدًا أن التطور الاقتصادي والتكنولوجي ينبغي أن يكون وسيلة لتحقيق مزيد من العدالة، وليس عاملًا يؤدي إلى اتساع الفجوة بين من يملكون التكنولوجيا ومن يعملون بها.

وفيما يتعلق باقتصاد المنصات، أشار البدوي إلى أنه أتاح فرصًا جديدة للعمل والدخل، لكنه في الوقت نفسه أوجد أنماطًا من العمل لا تزال بحاجة إلى أطر قانونية وتنظيمية واضحة تضمن الحماية والحقوق، مؤكدًا أنه لا يجوز أن يصبح التطور التكنولوجي ذريعة لإسقاط حقوق العامل أو وضعه أمام خيار بين الحصول على فرصة عمل والحصول على حقوقه.

وطالب بضرورة أن يصاحب الاقتصاد الرقمي الحديث توفير حماية للعامل الرقمي، بما يشمل الأجر العادل والتأمين الاجتماعي والرعاية الصحية والحماية من إصابات العمل، إلى جانب حق العامل في التظلم والدفاع عن نفسه.

كما دعا إلى تعزيز الشفافية بشأن استخدام الخوارزميات في بيئة العمل، خاصة بعدما أصبحت في بعض الحالات تدخل في تقييم العمال وتوزيع المهام وتحديد الدخل، وربما تقرير استمرار العامل في وظيفته، مؤكدًا أن الخوارزمية لا ينبغي أن تتحول إلى "قاضٍ بلا رقابة"، وأن العامل لا يمكن اختزاله في رقم داخل نظام إلكتروني بلا حقوق.

عمال فلسطين في صدارة الاهتمام

وتطرق الأمين العام للاتحاد العربي للتعليم والطباعة والإعلام إلى أوضاع العمال الفلسطينيين، معتبرًا أن الحديث عن مستقبل العمل والدفاع عن الإنسان لا يمكن أن ينفصل عن معاناة الشعب الفلسطيني وعماله، في ظل ما يتعرضون له من قتل ودمار وتهجير وفقدان لمصادر الرزق، إلى جانب تدمير المنشآت ومواقع العمل.

وأكد أن ما يحدث في فلسطين لا يقتصر على تدمير المباني والمنشآت، وإنما يمتد إلى تدمير فرص العمل وهدم مصادر الرزق وحرمان آلاف العمال من حقوقهم الأساسية، فضلًا عن وضع أجيال كاملة أمام مستقبل مجهول.

وأعلن البدوي، من المنبر النقابي العربي، دعم الحركة النقابية لعمال فلسطين وحقوقهم في العمل والأجر والحماية الاجتماعية والحياة الكريمة، وكذلك حقهم في الحرية والعيش بأمان على أرضهم، رافضًا الممارسات الإسرائيلية التي تستهدف العمال والمدنيين وتدمر مقومات الحياة والإنتاج وتحرم الإنسان الفلسطيني من حقه الطبيعي في العمل والحياة والكرامة.

ودعا المجتمع الدولي ومنظمة العمل الدولية والمنظمات العربية والدولية المعنية إلى تحمل مسؤولياتها، وعدم الاكتفاء بالبيانات والإدانات، والعمل على اتخاذ خطوات عملية لحماية العمال الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم.

وشدد على أن العامل الفلسطيني لا يحتاج إلى التعاطف فقط، وإنما يحتاج إلى حماية حقيقية وفرص عمل وأجر ومستقبل، موضحًا أن إعادة إعمار فلسطين يجب ألا تقتصر على إعادة بناء الحجر، وإنما تشمل إعادة بناء الإنسان والمصانع ومواقع العمل وفرص التشغيل ومنظومة الحماية الاجتماعية، وإعادة الأمل إلى العامل الفلسطيني وأسرته.

رؤية عربية جديدة لسوق العمل

وأكد البدوي أن العالم العربي يواجه مجموعة متشابكة من التحديات، في مقدمتها البطالة والفقر والتحولات التكنولوجية والأزمات الاقتصادية والصراعات والتغيرات العميقة في سوق العمل، مشددًا على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية عربية جديدة لا تعتمد على أدوات الماضي.

وأوضح أن هذه الرؤية يجب أن تجعل العامل شريكًا في التنمية، وليس مجرد رقم في بيانات البطالة، وأن تجعل الحوار الاجتماعي أداة حقيقية لصناعة القرار، وليس مجرد لقاءات بروتوكولية، إلى جانب اعتبار الحماية الاجتماعية حقًا أصيلًا للعامل وليست منحة أو استثناء.

وأضاف أن قوة الاقتصاد لا يمكن أن تتحقق مع ضعف العامل، كما أن التنمية لا يمكن أن تكون مستدامة إذا تركت ملايين العمال دون حماية أو أمان.

وأشار إلى أن الحركة النقابية العربية تقف أمام لحظة تاريخية، فإما أن تكون شريكًا في صناعة مستقبل العمل أو تكتفي بمراقبته، مؤكدًا ضرورة أن تكون الحركة النقابية في قلب عملية صناعة المستقبل، وأن تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة، ومن الاحتجاج إلى المشاركة، ومن الاكتفاء بالدفاع عن مكتسبات الماضي إلى المساهمة في صناعة حقوق الغد.

واختتم البدوي كلمته بالتأكيد على أن الحركة النقابية لا تطالب بإيقاف التكنولوجيا، وإنما تريد تكنولوجيا عادلة، ولا ترفض الذكاء الاصطناعي، وإنما ترفض استخدامه لإقصاء الإنسان، كما لا ترفض اقتصاد المنصات، وإنما ترفض اقتصادًا بلا حقوق.

وشدد على أن العمال لا يبحثون عن امتيازات، وإنما يدافعون عن حق أصيل في العمل اللائق والكرامة والحماية الاجتماعية، داعيًا إلى أن تصبح منظمة العمل العربية بيتًا جامعًا لصوت العمال العرب، وأن يكون الحوار الاجتماعي طريقًا للعدالة والاستقرار، والتضامن النقابي العربي قوة حقيقية للدفاع عن حقوق العمال، مع استمرار دعم عمال فلسطين حتى يستعيدوا حقهم في العمل والحياة والكرامة والحرية.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً