يقدم المخرج الإيطالي Paolo Strippoli في فيلم The Spiral مأساة فاوستية تمزج الرعب بالأجواء القاتمة والأسلوب البصري اللافت، مؤكداً حضوره كواحد من أبرز صناع أفلام الرعب في إيطاليا ويمنح الأداء المميز للممثلة Valeria Bruni Tedeschi دور الشيطانة حضوراً خاصاً، بينما تبدو التجربة أقل تعقيداً من فيلمه السابق The Holy Boy.
ونقلاً عن موقع "Variety" يأتي The Spiral كالفيلم الروائي الرابع في مسيرة ستريبولي، والظهور الأول له في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا بعدما كان فيلمه السابق The Holy Boy ضمن قسم العروض خارج المسابقة في الدورة الماضية، ورغم أن الفيلم يتمتع بأسلوب بصري جريء وممتع فإن مراجعته ترى أنه أكثر سطحية وأقل عمقاً من تجربته السابقة.
كيف يقدم The Spiral حكاية فاوستية جديدة؟
يقدم فيلم The Spiral معالجة جديدة للحكاية الفاوستية، من خلال ظهور الشيطانة في صورة أنيقة وهادئة، ترتدي معطفاً بلون الجملي وشعرها مصفف بعناية، بينما تمسك سيجارة وتتحرك بثقة. وتقدم الشخصية فاليريا بروني تيديسكي بصوت أجش وناعم في آن واحد، لتبدو كأنها خرجت من أحد أفلام الـFilm Noir الكلاسيكية الشهيرة المعروفة.
لا تعتمد الشيطانة في The Spiral على أساليب الإغواء التقليدية للسيطرة على آنا، وهي أم لطفلين تنتمي إلى طبقة اجتماعية راقية، بل تستغل مخاوفها الأشد قسوة تجاه أبنائها وأسرتها. وحين تضعها أمام خيار يتعلق بأطفالها، تتحول الصفقة المظلمة إلى اختبار نفسي قاس، يقود الأحداث نحو مزيد من التوتر والتصعيد المستمر.
ويقدم الفيلم حكاية فاوستية تبدو بسيطة في أساسها، لكن المخرج ستريبولي يرفع من حدتها عبر أجواء قاسية ومبالغ فيها، مستخدماً أسلوباً إخراجياً جريئاً يركز على الصورة والإثارة. ورغم أن الفكرة لا تبدو ضخمة أو شديدة التعقيد، فإن تداخل عناصر الرعب والتشويق والجمال البصري يمنح العمل قدراً واضحاً من المتعة والجاذبية.
يعد فيلم The Spiral التجربة الروائية الرابعة للمخرج ستريبولي، البالغ من العمر 33 عاماً، كما يمثل أول مشاركة له في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي ويرى النقاد أن هذه الخطوة جاءت مبكرة نسبياً، خاصة أن الفيلم يعتمد بدرجة أكبر على الإثارة والأسلوب البصري أكثر من اعتماده على بناء متعمق للشخصيات أو طرح فكري متماسك.
وكان فيلم The Holy Boy الذي قدمه ستريبولي العام الماضي أكثر ذكاءً وجرأة ورعباً، إذ تناول صدمات المدن الصغيرة وتقاطعات الخوف والإيمان، وقدم معالجة أعمق وأكثر صراحة ومن هنا تبدو مشاركة The Spiral في المسابقة الرسمية وكأنها جاءت بعد عام واحد فقط من عمل سابق كان يستحق اهتماماً نقدياً أكبر.
وقد يكون حضور فاليريا بروني تيديسكي، إحدى أبرز نجمات السينما الفنية الأوروبية المستقلة، عاملاً ساهم في رفع مكانة الفيلم، إلا أن The Spiral يؤكد أيضاً امتلاك ستريبولي ملامح واضحة كمخرج مؤلف في سينما الرعب. وربما يفتح هذا المسار أمامه باباً واسعاً إلى سوق أفلام النوع الراقية دولياً، ويمنحه فرصاً جديدة.
هل يستطيع The Spiral الحفاظ على توتره حتى النهاية؟
يفتتح فيلم The Spiral أحداثه بتصميم صوتي مكثف ومزعج قدمه كوينتين كوليت، حيث تتداخل أصوات الظواهر الطبيعية وغير الطبيعية بصورة صاخبة، بينما تظهر يد تتشبث بمقعد داخل طائرة وسط اضطرابات جوية عنيفة. ويعكس هذا المشهد منذ البداية الطابع المقلق والمضطرب الذي يسيطر على أجواء الفيلم وأحداثه.
ومن نافذة الطائرة، يظهر إعصار مقلق بين السحب، ليصبح واحدًا من مجموعة الدوامات البصرية التي يعتمد عليها الفيلم في بناء أجوائه. ورغم أن هذه التفاصيل تبدو جذابة ومثيرة للقلق في الوقت نفسه، فإنها لا تقود دائمًا إلى نتائج واضحة تخدم مسار الحكاية أو تدفع الأحداث إلى الأمام بصورة مباشرة.
بعد ذلك، تنتقل الأحداث إلى العاصمة الإيطالية روما، التي تغرق في عاصفة مطرية تبدو مقارنة بما سبق مجرد ظاهرة عابرة. وتصل آنا إلى منزل ابنتها أليس وهي مبتلة ومرهقة، لتؤكد بشكل مفاجئ أن لديها سرًا عائليًا مرعبًا يجب الكشف عنه فورًا، وأن الأمر لا يحتمل الانتظار.
ويعود الفيلم بعد ذلك نحو 25 عامًا إلى الوراء، من خلال فصول يحمل كل منها اسم أحد أفراد العائلة، إلا أن هذا التقسيم لا يصاحبه تغيير واضح في وجهة نظر القصة. وفي مدينة باري المشمسة، تعيش آنا مع زوجها والتر وابنتهما أليس حياة عائلية تبدو مثالية إلى حد مبالغ فيه.
وتبلغ أليس من العمر 7 سنوات، وتحصل على فرصة للظهور في إعلان خاص بمعكرونة Barilla، إلا أن هذه الحياة الهادئة تنهار خلال حفل حديقة فاخر يقام داخل منزل العائلة، عندما يهاجم كلب الـBull Terrier الخاص بهم الطفلة بعنف ودون سبب واضح، في واقعة تقلب حياة الأسرة.
وينجح أطباء الطوارئ في إنقاذ حياة أليس، لكنهم يخبرون والديها بأن إنقاذ ساقها قد يكون أمرًا مستحيلًا. ومع اقتراب احتمال بتر ساق طفلتها، تتوجه آنا إلى الكنيسة بحثًا عن الراحة والصلاة، في مشهد يجمع بين العمارة الإيطالية الحديثة وإضاءة الشموع الكاثوليكية، بما يعكس حالة التوتر والخوف التي تعيشها.
ويقدم مصمم الإنتاج مارشيلو دي كارلو واحدًا من أبرز العناصر البصرية في هذه المشاهد، بينما تحاول آنا التعبير عن ألمها بالبكاء والصلاة، لكن دعاءها لا يجد استجابة. وقبل أن تفقد الأمل، تظهر أمامها شخصية غامضة تعرض عليها المساعدة، لتبدأ من هذه اللحظة مرحلة جديدة ومختلفة في حياتها.
وتدخل المرأة الغامضة، التي تجسدها بروني تيديسكي، إلى الأحداث تحت اسم The Stranger، وهو الاسم المأخوذ من ترجمة العنوان الإيطالي الأصلي للفيلم. وتبدأ الشخصية في مواساة آنا بهدوء، قبل أن تكشف عن معرفتها بتفاصيل مقلقة تخص العائلة، ثم تعرض عليها حلًا يبدو في ظاهره منقذًا، لكنه يحمل عواقب مرعبة.
وتخبر المرأة آنا بأنها قادرة على ضمان احتفاظ أليس بساقها، لكن في المقابل ستقع تكلفة الصفقة على شقيقها الأكبر توبيا. ورغم أن آنا بالكاد تستوعب طبيعة العرض الغريب، وفي ظل حالتها النفسية التي لا تسمح لها بالتفكير بصورة كاملة، فإنها توافق على الصفقة، لتفتح بذلك الباب أمام سلسلة من الأحداث القاسية.
ومن هنا تبدأ سلسلة طويلة من العواقب التي تزداد حدتها مع مرور السنوات، ويقدمها المخرج ستريبولي بقدر كبير من الصدمة والإثارة، بينما يترك الفيلم للمشاهد مهمة التساؤل حول ما إذا كانت مظاهر ازدراء ذوي الإعاقة والخجل من الجسد التي تظهر ضمن النتائج تمثل عيبًا في العمل، أم أنها جزء من طبيعة الشيطانة نفسها.
وتفتح هذه الأحداث الباب أمام قراءات متعددة، من بينها الوعي بصورة الجسد داخل المجتمع الإيطالي، والشعور بالذنب المرتبط بالثقافة الكاثوليكية، إلا أن الفيلم لا يقدم إجابة حاسمة حول مدى عمق هذه الدلالات. وفي النهاية، يبدو أن ستريبولي يراهن بالدرجة الأولى على استمتاع الجمهور بهذه الرحلة الصاخبة والمتقلبة، وهو ما ينجح الفيلم في تحقيقه.
لكن السيناريو يبدأ تدريجيًا في الانغلاق على نفسه بدلًا من توسيع دائرة الأحداث، كما أن الاعتماد على البناء الاسترجاعي المعقد يسحب جزءًا من التوتر من القصة. ويأتي الكشف عن سر آنا المرعب في وقت مبكر نسبيًا، دون أن يتطور تأثيره بالقدر الكافي على المستويات الجسدية والأخلاقية والروحية، ما يضعف بعض جوانب الحكاية.
وبالتالي، تصبح جماليات ستريبولي الصاخبة والممتعة هي العنصر الأبرز الذي يدفع الفيلم إلى الأمام، خاصة مع استمرارها حتى المشاهد الأخيرة، بينما يعاني المسار السردي من بعض التعثر. ومع ذلك، تمنح هذه المعالجة شخصية الشيطانة التي تجسدها بروني تيديسكي مساحة أكبر لإعادة صياغة شروط الصفقة الشريرة التي عقدتها في البداية.
وتضيف هذه المعالجة في كل مرة جرعة من السخرية والمبالغة الفنية التي تعرف باسم Camp، لتصبح شخصية الشيطانة من أبرز عناصر الفيلم وأكثرها حضورًا. ومع استمرار الأحداث، يحافظ ستريبولي على هذا الأسلوب البصري الصاخب، حتى عندما يتراجع البناء السردي، وهو ما يمنح العمل طابعًا خاصًا ومختلفًا.
وفي النهاية، يستفيد The Spiral من حضور شيطانة أنيقة ومختلفة، تقدمها بروني تيديسكي بصورة تجمع بين الغموض والسخرية والثقة. ويبدو أن الفيلم يتعامل معها باعتبارها عنصرًا أساسيًا في هويته البصرية والفنية، حتى إنه يلمح بصورة ساخرة إلى أن الشيطان قد يمتلك أفضل الألحان، وربما أيضًا أفضل الأحذية.