مراجعة إمبيريوم .. رحلة لوزنيتسا داخل الاتحاد السوفيتي

صوت |
الاثنين 07/09/2026 03:57 م
مراجعة إمبيريوم .. رحلة لوزنيتسا داخل الاتحاد السوفيتي
ح
حنين التوني

يقدم المخرج الوثائقي «سيرغي لوزنيتسا» في فيلم «إمبيريوم» رحلة بصرية تمتد لنحو ثلاث ساعات داخل الاتحاد السوفيتي في أوائل سبعينيات القرن الماضي، اعتماداً على نحو 60 ساعة من اللقطات المصورة بكاميرات 16 ملم في إيطاليا ويكشف الفيلم من خلال أرشيف واسع دولة متعددة الثقافات قاومت محاولات السلطة المركزية فرض التجانس على جمهورياتها ومجتمعاتها المختلفة.

ونقلاً عن موقع "Variety" يعتمد إمبيريوم على لقطات صورتها أطقم إيطالية في أنحاء الاتحاد السوفيتي خلال أوائل السبعينيات، بعدما حصلت على إذن رسمي للتصوير بعيداً عن الدعاية السياسية المباشرة وكان المشروع مخططاً له في الأصل كسلسلة تلفزيونية ضخمة متعددة الحلقات، لكن عدداً محدوداً منها عُرض مرة واحدة على التلفزيون الإيطالي قبل أن تختفي المادة داخل الأرشيف لسنوات طويلة.

Imperium review – Sergei Loznitsa's archive collage collates everyday life in cold-war Soviet Union | Movies | The Guardian

رحلة إمبيريوم داخل الاتحاد السوفيتي

ينظم لوزنيتسا هذه المادة الأرشيفية وفق مسار جغرافي يبدأ من موسكو ويتجه شرقاً ثم يعود عبر جمهوريات آسيا الوسطى، المعروفة باسم الستانات وجمهوريات البلطيق وصولاً إلى لينينغراد، التي كانت تحمل هذا الاسم آنذاك وأبقى المخرج على معظم اللقطات كما هي بعد ترميمها ومونتاجها، مع إضافة بعض المقاطع الحوارية والموسيقى ليمنح الأرشيف حياة جديدة دون تغيير طبيعته الأساسية.

ويكشف الفيلم دولة مترامية الأطراف استطاعت مناطقها المختلفة الاحتفاظ بتقاليدها وعاداتها المحلية رغم الخطاب الرسمي المتواصل عن الوحدة، ومن ركاب قطارات الضواحي إلى الاحتفالات القروية ومن سفن صيد الأسماك في باكو إلى رعاة الرنة في سيبيريا ترصد الكاميرات تفاصيل يومية ساعدت على تقديم صورة أكثر تنوعاً للمجتمع السوفيتي مما اعتاد الجمهور الغربي رؤيته خلف الستار الحديدي.

ومع مغادرة موسكو نحو المناطق الشرقية تصبح السلع الاستهلاكية أقل حضوراً بينما تبرز ملامح الحياة المحلية بصورة أوضح، ففي سوزدال تظهر امرأة مسنة وهي تغسل ملابسها في حفرة جليدية، بينما تبدو مدينة فلاديمير في بعض اللقطات وكأنها لم تتغير منذ ما قبل الثورة وفي الجنوب يخرج السكان للمشاركة في كرنفال شتوي تبدو جذوره ممتدة إلى ما قبل وصول اللينينية.

وتزداد الخصوصية المحلية مع انتقال طواقم التصوير إلى المناطق الأبعد حيث تظهر سباقات جمال البكتريا بالقرب من الحدود مع منغوليا، إلى جانب زلاجات الرنة في جمهورية ساخا وفي سيبيريا تحديداً، يلتقط الفيلم مشهداً يكشف توتراً ثقافياً واضحاً إذ يظهر شباب من الروس البيض يعزفون الجيتار ويغنون الأغاني الروسية، بينما يقف أفراد من قومية الياقوت على الهامش كمراقبين مستائين.

Photo archive: Georgian families leaving Abkhazia during the 1992-1993 Georgian-Abkhaz war - JAMnews

ماذا تكشف رحلة لوزنيتسا عن المجتمع السوفيتي؟

يرى الفيلم أن أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه المادة هو قوة التقاليد القديمة وقدرتها على الصمود أمام محاولات النظام السوفيتي فرض نمط موحد على المجتمعات المختلفة ،ففي بخارى استمر الناس في ارتياد المساجد وفي إتشميادزين ظلت الكنائس حاضرة، كما حافظت مجموعات مختلفة على أنماط حياة لم تخضع بالكامل للإملاءات التي فرضتها الحقبة الستالينية.

ويبدأ «إمبيريوم» بمشهد كلاسيكي خلال المؤتمر الرابع والعشرين للجنة المركزية للحزب الشيوعي، حيث تظهر اللافتات التي تكرر شعارات الإنتاج المتداولة على مدار أربعة عقود ثم ينتقل الفيلم إلى متجر «GUM» في موسكو حيث تعرض البدلات الرسمية والأحذية الجلدية اللامعة وحقائب اليد المزينة بالخرز، في مشاهد تطرح تساؤلاً حول الفئات التي كانت قادرة على شراء هذه السلع الفاخرة في موسكو آنذاك.

كما تظهر الممارسات الدينية في سياق تجاري من خلال مشاهد لتجارة نشطة في زينة عيد الميلاد في إشارة إلى استمرار بعض التقاليد رغم السياسة الرسمية القائمة على الإلحاد، ويربط الفيلم بصورة نقدية بين هذا الماضي وما آلت إليه روسيا لاحقاً مشيراً إلى أن الرأسمالية الجامحة والإنترنت غيّرا المشهد الاجتماعي بصورة أكبر مما كان يمكن للينين أو بريجنيف تصوره.

وفي هذا السياق تبدو المجتمعات المتعددة الثقافات التي قاومت محاولات التجانس السوفيتي وكأنها تحولت لاحقاً إلى مجتمعات استهلاكية تتطلع إلى الغرب للحصول على مقتنياتها، ويطرح الفيلم هذه المفارقة دون أن يجعلها محوراً منفصلاً إذ يظل اهتمام لوزنيتسا منصباً على الحياة داخل الاتحاد السوفيتي، رغم صعوبة فصل هذه الصورة عن الطريقة التي كان الغرب ينظر بها إلى الدولة السوفيتية.

ويشير التقييم النقدي للفيلم إلى أن مدته التي تقترب من ثلاث ساعات قد تجعل مشاهدته أكثر ثقلاً مقارنة بأعمال سابقة للوزنيتسا مثل «مايدان» و«جنازة دولة»، ففي هذين الفيلمين يشعر المشاهد بقوة التاريخ وهي تدفع الأحداث نحو لحظة فاصلة لا مفر منها، بينما يبدو «إمبيريوم» أكثر تشتتاً رغم وضوح الفكرة الأساسية التي تحركه.

وقد يجد الفيلم صدى أكبر لدى المشاهدين الذين يتذكرون الطريقة التي كان يُناقش بها الاتحاد السوفيتي في الغرب خلال تلك الفترة، أي قبل عقد من تصريح رونالد ريغان الشهير عن «إمبراطورية الشر»، ويرى التقييم أن هذا المصطلح كان اختزالاً مستوحى من فيلم «حرب النجوم» واستخدم في سياق الدعاية المناهضة للشيوعية التي غذت الخطاب العالمي الموجه أمريكياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

Imperium' Review: Sergei Loznitsa's Vast Archival Tour of the USSR

ويطرح «إمبيريوم» أيضاً سؤالاً حول ما كان يمكن أن يحدث لو عرض التلفزيون الإيطالي غالبية هذه المواد وقت تصويرها، في فترة كان من الصعب خلالها الحصول على صورة حقيقية عن الحياة داخل الاتحاد السوفيتي. وفي الولايات المتحدة، اعتُبرت مادة «ناشيونال جيوغرافيك» المنشورة عام 1977 بعنوان «رحلة عبر روسيا: الاتحاد السوفيتي اليوم» محاولة شعبية لتصحيح الصورة النمطية عن مجتمع موحد من البروليتاريا.

أما إيطاليا فكانت تواجه سياقاً مختلفاً بسبب قوة الحزب الشيوعي فيها وما رافق ذلك من رفض متكرر للاعتراف بانتهاكات المكتب السياسي، ومن هنا تبرز إمكانية مقارنة «إمبيريوم» بفيلم «القطار إلى موسكو: رحلة إلى المدينة الفاضلة»، الوثائقي الذي أخرجه فيديريكو فيروني وميشيلي مانزوليني عام 2013 واعتمد أيضاً على مواد أرشيفية، لكن لفترة أقدم من التاريخ السوفيتي.

ويتناول الفيلم الإيطالي تجربة أحد المؤيدين للحزب من إميليا رومانيا الذي اكتشف خلال رحلة إلى الاتحاد السوفيتي أن الحياة هناك لم تكن قائمة بالكامل على التضامن والحرية، قبل أن يتعرض ما توصل إليه من ملاحظات للرقابة من زملائه الإيطاليين، وفي النهاية يترك «إمبيريوم» سؤالاً مفتوحاً يتجاوز حدود الاتحاد السوفيتي نفسه: جميع الإمبراطوريات تبيع فكرة المدينة الفاضلة لكن لماذا يصدقها هذا العدد الكبير من الناس؟

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً