أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أهم الملفات التي تشغل صناعة السينما حاليًا وسط حالة من الجدل بين من يراه أداة ثورية قادرة على تطوير الإبداع ومن يعتبره تهديدًا حقيقيًا لمستقبل الفن وصناعته وشهد مهرجان كان السينمائي نقاشًا موسعًا حول مستقبل التكنولوجيا في صناعة الأفلام مع التركيز على دور الإنسان في العملية الإبداعية.
ونقلاً عن موقع IndieWire أقامت المنصة بالتعاون مع Andreessen Horowitz وCultural Leadership Fund فعالية بعنوان Music Film & the New Storytelling Stack – Co-Authoring What Comes Next داخل الجناح الأمريكي في مهرجان كان. وشهدت الفعالية جلسات نقاشية وعروضًا قدمها عدد من الفنانين والمتخصصين الذين يعملون في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته داخل صناعة السينما.
الذكاء الاصطناعي بين التطوير والتهديد
ناقشت الفعالية حالة الاستقطاب الموجودة حاليًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام فبينما يرى البعض أن التكنولوجيا يمكن أن تمنح الفنانين أدوات جديدة وتساعدهم على تحقيق أفكار كانت صعبة التنفيذ في الماضي يرى آخرون أنها قد تهدد جوهر الإبداع البشري.
وحاول المشاركون تجاوز فكرة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية لها موقفان فقط إما التأييد الكامل أو الرفض التام وركزت النقاشات على ضرورة فهم طبيعة التكنولوجيا أولًا وتحديد المجالات التي يمكن أن تخدم فيها الفنانين وصناع الأفلام دون إلغاء دورهم الإبداعي.
جلسة تجمع صناع الفن والتكنولوجيا
أدارت جودين سمول شريكة Cultural Leadership Fund الجلسة الأولى التي جمعت بين روان هيلتون الرئيس التنفيذي لشركة Masters vs. Machine ودييجو رودريجيز مؤسس شركة Krea ورئيس قسم التكنولوجيا بها إلى جانب كريس أوفالت من IndieWire.
وتحدث المشاركون عن إمكانية تحقيق توازن بين الإبداع البشري وأدوات الذكاء الاصطناعي مشيرين إلى أن النقاش حول التكنولوجيا يحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح وأكدوا أن كلمة الذكاء الاصطناعي أصبحت تستخدم لوصف تقنيات مختلفة للغاية وهو ما يجعل الوصول إلى نقاش واضح حول مستقبلها أمرًا صعبًا.
رودريجيز: كلمة الذكاء الاصطناعي أصبحت واسعة
أوضح دييجو رودريجيز أن مصطلح الذكاء الاصطناعي أصبح يحمل معاني مختلفة من شخص إلى آخر. فقد يراه البعض في صورة روبوت محادثة بينما يراه آخرون في أنظمة التوصيات أو منصات مثل تيك توك أو تقنيات قادرة على أتمتة بعض الأعمال.
وأشار إلى أن هناك من ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لأتمتة العمل بينما يراه آخرون أداة جديدة يمكن أن تساعد الفنانين على صناعة أعمالهم. وأضاف أن عدم الاتفاق على المقصود بالمصطلح يجعل من الصعب بدء حوار حقيقي حول تأثير التكنولوجيا في السينما والفنون.
كريس أوفالت: السينما لا تزال في بداية الطريق
لفت كريس أوفالت إلى أن الكثير من النقاشات الحالية حول الذكاء الاصطناعي تعتمد على نماذج بدائية أو تجارب استعراضية من غير المرجح أن تكون هي الصورة التي ستصل إليها التكنولوجيا داخل صناعة السينما مستقبلاً.
وأوضح أن التطبيقات الحقيقية التي يمكن أن تدخل إلى صناعة الأفلام خلال السنوات المقبلة قد تكون أقرب إلى الأدوات التي تستخدمها هوليوود منذ سنوات في مجالات مثل المؤثرات البصرية وتقنيات الكمبيوتر مضيفاً أن المشكلة تكمن في أن الجمهور بمجرد سماع كلمة الذكاء الاصطناعي يتجه تفكيره إلى الصور الرديئة والمحتوى المصطنع.
وأكد أن إنشاء مساحة مناسبة للحوار حول هذه التكنولوجيا ليس أمرًا سهلًا خاصة أن الموضوع مرتبط بالأموال والاستثمارات من ناحية وبردود فعل الجمهور من ناحية أخرى وطرح تساؤلًا حول كيفية إنشاء منصة يمكن من خلالها مناقشة الذكاء الاصطناعي في السينما بنفس الطريقة التي تتم بها مناقشة أي تقنية أو أداة جديدة.
هيلتون: القضية تتجاوز التكنولوجيا
أكد روان هيلتون أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالتكنولوجيا أو الاقتصاد فقط وإنما يمتد إلى أسئلة فلسفية مرتبطة بطبيعة الإنسان نفسه موضحاً أن تأثير الأعمال المصنوعة بالذكاء الاصطناعي على الجمهور يرتبط بالشعور بأن التكنولوجيا قد تغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الإبداع والعمل الفني.
وأشار إلى أن البشر يرتبطون بفكرة أن العمل الفني يجب أن يكلف صاحبه وقتًا وجهدًا وأن الحصول على النتيجة يأتي بعد رحلة طويلة من العمل مضيفًا أن ظهور منصة يمكن للمستخدم أن يكتب لها أمرًا ثم يحصل على نتيجة خلال فترة قصيرة يطرح أسئلة عميقة حول قيمة التجربة الإنسانية.
وشهدت الفعالية تجربة عملية حاولت توضيح إمكانية التعاون بين الفنان البشري والذكاء الاصطناعي بدلًا من استخدام التكنولوجيا كبديل عن الإنسان وقدم هيلتون عرضًا موسيقيًا بمشاركة عازف تشيللو بينما استخدم رودريجيز أدوات شركة Krea لتوليد صور مباشرة بالتزامن مع الموسيقى.
وأظهر العرض كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف عناصر جديدة إلى الفنون التقليدية دون أن يلغي دور الفنان. وجاءت التجربة كأحد الأمثلة العملية التي حاول المشاركون من خلالها نقل النقاش من مرحلة الجدل النظري إلى اختبار إمكانيات التعاون بين الإنسان والتكنولوجيا.
حقوق الملكية الفكرية في مواجهة الذكاء الاصطناعي
انتقلت النقاشات بعد ذلك إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق بين الفنانين وهي حقوق الملكية الفكرية ويخشى عدد كبير من صناع المحتوى استخدام أعمالهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون الحصول على مقابل مادي أو موافقة مسبقة.
وأوضح المشاركون أن التطور السريع للتكنولوجيا أصبح يتجاوز سرعة تطور القوانين المنظمة لها لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى وجود استخدامات إيجابية للذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الفنانين وأصحاب الحقوق على حماية أعمالهم ومتابعة عمليات التعدي عليها.
رودريجيز: الذكاء الاصطناعي يمكنه حماية الحقوق
أعرب رودريجيز عن رفضه لفكرة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوًا لصناع المحتوى وأصحاب حقوق الملكية الفكرية. موضحًا أن التكنولوجيا نفسها يمكن استخدامها لمساعدة أصحاب الحقوق في اكتشاف أعمالهم التي يتم استخدامها دون إذن وعلى نطاق واسع.
وأشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على البحث عن المحتوى المخالف واكتشاف حالات التعدي على حقوق الملكية الفكرية وهو ما يفتح الباب أمام استخدام التكنولوجيا لحماية الفنانين بدلًا من الاقتصار على النظر إليها باعتبارها مصدرًا للخطر.
دعوة لمنح الفنانين دورًا في صناعة المستقبل
رأت جودين سمول أن المرحلة المبكرة التي تمر بها صناعة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون فرصة لبناء منظومة جديدة تسمح بتوزيع عوائد صناعة الترفيه بصورة أكثر عدلًا وأكدت أن النقاش لا يجب أن يتحول إلى صراع حول ما إذا كانت شركات وادي السيليكون أو هوليوود هي التي ستحصل على الجزء الأكبر من الأرباح.
وأضافت أن الأهم في هذه المرحلة هو منح الفنانين والمبدعين والمطورين فرصة للمشاركة منذ البداية في بناء البنية التحتية لهذه الصناعة مشيراً إلى أن القرارات التي يتم اتخاذها حاليًا من جانب الفنانين وشركات التكنولوجيا يمكن أن تؤثر لاحقًا من خلال الاستثمارات في القواعد واللوائح التي ستنظم القطاع.
ديف كلارك يكشف تجربته مع الذكاء الاصطناعي
شهدت الفعالية أيضًا مشاركة ديف كلارك المؤسس المشارك والمدير الإبداعي لشركة Promise Studios الذي تحدث عن رحلته مع الذكاء الاصطناعي وشارك كلارك في جلسة حوارية مع سمول استعرض خلالها تجربته التي قادته إلى تأسيس استوديو ترفيهي جديد يسعى للعمل في عصر الذكاء الاصطناعي.
وتحدث عن بدايته في دراسة صناعة الأفلام وعن سنواته الأولى في هوليوود عندما كان يسمع أن أفكاره أكبر من خبرته كمخرج موضحاً أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة فيلمه القصير Silent Valley ساعده على الوصول إلى لقاء مع المخرج العالمي ريدلي سكوت.
ريدلي سكوت يشيد بقوة القصة
كشف كلارك أن لقاءه مع ريدلي سكوت جعله يدرك أن القيمة الحقيقية لأدوات الذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في الشكل النهائي للصورة موضحاً أن سكوت ركز خلال حديثه معه على القصة وقدرة المخرج على استخدام التكنولوجيا للوصول إلى ما يريد التعبير عنه.
وأشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي منحته إمكانية تنفيذ أفكار لم يكن قادرًا على تقديمها بالطريقة نفسها في بداية مسيرته. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التكنولوجيا لم تكن لتصنع التجربة وحدها دون سنوات من الدراسة والبحث والتعلم في مجالات التاريخ والقصة وصناعة الأفلام.
تجربة إعلانية بالذكاء الاصطناعي
وقبل تقديم عرض عملي لأحد الأعمال التي نفذتها Promise Studios باستخدام الذكاء الاصطناعي لصالح إعلان لشركة Coca-Cola تحدث كلارك عن أهمية استخدام التكنولوجيا باعتبارها وسيلة تساعد المبدع على التعبير عن أفكاره.
وأكد أن الأدوات الجديدة لا تلغي سنوات الخبرة التي يحتاج إليها صانع الأفلام. موضحًا أن معرفته بتاريخ السينما وتطوير الأفكار والعمل على القصص هي التي جعلت الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة بالنسبة إليه وليس بديلًا عن مهاراته كمخرج.
مهرجان كان يفتح بابًا جديدًا للحوار
كشفت الفعالية عن اتساع مساحة النقاش حول الذكاء الاصطناعي داخل صناعة السينما مع التأكيد على أن الصناعة لا تزال في مرحلة مبكرة جدًا من فهم الإمكانيات الحقيقية لهذه التكنولوجيا. كما أظهرت الجلسات أن القضية أكثر تعقيدًا من الاختيار بين قبول الذكاء الاصطناعي أو رفضه بالكامل.
وأوضحت المناقشات أن هناك العديد من الأسئلة التي لا تزال بحاجة إلى إجابات تتعلق بالإبداع وحقوق الملكية والاقتصاد ودور الفنان ومستقبل صناعة الأفلام. كما أكدت التجارب العملية أن التعاون بين الإنسان والآلة يمكن أن يكون أحد المسارات المحتملة بدلًا من النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها بديلًا كاملًا عن المبدعين.
نحو مشاركة أكبر للفنانين في صناعة التكنولوجيا
أكدت جودين سمول في كلمتها الافتتاحية أن Cultural Leadership Fund يركز على الأشخاص الذين يساهمون في تشكيل الثقافة وبناء مستقبلها مع العمل على منحهم فرصة للمشاركة في العوائد المالية التي تنتج عن هذا التطور.
وكشفت فعاليات اليوم أن صناعة الذكاء الاصطناعي لا تزال في مرحلة مبكرة وأن الفرصة ما زالت قائمة أمام الفنانين والمبدعين والمطورين للمشاركة في بناء مستقبلها.
كما أظهرت النقاشات أن تجاوز النظرة الثنائية للذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح المجال أمام حوار أكثر واقعية حول تأثيره في السينما والفنون.
الجدير بالذكر أن فعالية Music Film & the New Storytelling Stack – Co-Authoring What Comes Next أقيمت داخل The American Pavilion ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي وشارك فيها عدد من صناع الفن والتكنولوجيا. وشملت الفعالية نقاشات حول مستقبل السرد وحقوق الملكية واقتصاد المبدعين إلى جانب عروض عملية توضح إمكانيات الجمع بين الإبداع البشري وأدوات الذكاء الاصطناعي.