أوضحت رانيا جول، كبيرة محللي الأسواق في XS.com لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن التراجع الأخير في أسعار الفضة لا يمكن اعتباره مجرد حركة مؤقتة، بل يعكس تحولًا أعمق في توجهات المستثمرين وطريقة تسعير المخاطر على مستوى العالم، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وأشارت إلى أن هبوط الفضة إلى ما دون 74.50 دولارًا للأونصة لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها التضخم الناتج عن النزاعات، وتشديد السياسات النقدية، إلى جانب تغير أولويات المستثمرين. ولفتت إلى أن الفضة، التي كانت تُعد ملاذًا آمنًا، بدأت تفقد جزءًا من جاذبيتها لصالح الأصول التي توفر عائدًا، في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة الفرصة البديلة.
وأضافت أن التضخم المرتبط بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران يمثل أحد أبرز الضغوط على الفضة، نظرًا لما يسببه من اضطرابات في الطاقة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من أن المعادن الثمينة عادةً ما تستفيد من التضخم، فإن الوضع الحالي مختلف، إذ يدفع التضخم المرتفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، ما يؤدي إلى ارتفاع العوائد الحقيقية ويقلل من جاذبية الأصول التي لا تحقق عائدًا. واعتبرت أن الفضة أصبحت تتحرك بشكل عكسي مع التضخم، في تحول لافت في ديناميكيات السوق.
وأكدت أن توقعات السياسات النقدية تلعب دورًا محوريًا في تحديد اتجاه الفضة، في ظل ترقب قرارات البنوك المركزية الكبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان. وترى أن تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لا يعكس حيادًا، بل استمرارًا في التشديد النقدي، وهو ما يخلق بيئة غير داعمة لارتفاع الفضة على المدى القريب، خاصة مع استمرار العوائد الحقيقية الإيجابية التي تجذب المستثمرين نحو الأصول المدرة للدخل.
ورغم هذه العوامل السلبية، شددت على أن البعد الجيوسياسي لا يزال يمثل عنصر دعم محتمل للفضة. فبينما قد تمنح أي بوادر تهدئة أو اتفاقات دبلوماسية الأسواق بعض الاستقرار المؤقت، فإن المخاطر لا تزال قائمة، وقد تؤدي أي تطورات مفاجئة أو تصعيد جديد إلى إعادة الزخم للفضة، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في أسواق الطاقة أو تراجع شهية المخاطرة.
كما أوضحت أن تحركات المستثمرين تشير إلى تحول هيكلي، حيث تتجه السيولة بشكل متزايد نحو الدولار الأمريكي والأصول المرتبطة به، مدعومة بارتفاع الفائدة واستقرار الاقتصاد الأمريكي نسبيًا. وهذا بدوره يضغط على الفضة، باعتبارها مقومة بالدولار، مما يجعل أي صعود محتمل لها مرتبطًا بشكل وثيق باتجاه العملة الأمريكية.
وأضافت أن الفضة تواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في طبيعتها المزدوجة، فهي ليست مجرد معدن ثمين، بل تُستخدم أيضًا في التطبيقات الصناعية. ومع تزايد المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي نتيجة الصراعات والتشديد النقدي، قد يتراجع الطلب الصناعي عليها، ما يزيد من الضغوط على أسعارها.
وترى أن الفضة ستظل تحت ضغط في المدى القصير، مع احتمال اختبار مستويات أدنى إذا استمرت الظروف الحالية دون تغيير. لكنها في الوقت ذاته لا تستبعد حدوث تحول في الاتجاه لاحقًا، خاصة إذا بدأت البنوك المركزية في تخفيف سياساتها أو تراجع التضخم بشكل ملحوظ، وهو ما قد يمهد لعودة تدريجية للاتجاه الصاعد.
واختتمت بأن الفضة تمر حاليًا بمرحلة إعادة تموضع داخل النظام المالي العالمي، حيث لم تعد تتحرك وفق القواعد التقليدية المعتادة. وأكدت أن التعامل معها يتطلب فهمًا أعمق لتداخل العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، مشيرة إلى أن الفرص لا تزال قائمة، ولكنها تتطلب قدرًا أكبر من المرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات.