مازالت أسعار الذهب تشغل بال ملايين المواطنين، وفي ضوء ذلك شهدت أسعار الذهب في محال الصاغة ارتفاعًا جديدًا خلال تعاملات اليوم السبت، في تحرك لافت جاء رغم توقف التداولات في البورصة العالمية بسبب الإجازة الأسبوعية، ويعكس هذا الصعود استمرار حالة النشاط داخل السوق المحلية بعد المكاسب التي سجلها المعدن الأصفر في ختام تعاملات الجمعة، بينما لا تزال الأسواق العالمية تواجه ضغوطًا قوية دفعت الذهب لتسجيل خسائر أسبوعية جديدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يترقب فيه المستثمرون قرارات السياسة النقدية الأمريكية والبيانات الاقتصادية المرتقبة، باعتبارها العامل الأهم في تحديد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة، سواء على المستوى العالمي أو داخل السوق المصرية.
ارتفاع جديد في سعر الذهب عيار 21
وواصل الذهب مكاسبه محليًا، حيث ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 55 جنيهًا خلال تعاملات السبت ليصل إلى حوالي 5800 جنيه، وهو العيار الأكثر تداولًا بين المواطنين.
كما سجل الذهب عيار 24 نحو 6629 جنيهًا للجرام، بينما بلغ سعر الذهب عيار 18 حوالي 4972 جنيهًا، في حين ارتفع سعر الجنيه الذهب إلى قرابة 46400 جنيه، وهو ما يعكس استمرار النشاط الشرائي داخل الأسواق المحلية.
ويأتي هذا الارتفاع امتدادًا للمكاسب التي سجلتها الأسعار خلال جلسة الجمعة، بعدما ارتفع عيار 21 بنحو 45 جنيهًا في يوم واحد، الأمر الذي أعاد الثقة تدريجيًا إلى السوق بعد فترة من التراجعات والتذبذب.
ورغم أن الذهب عالميًا أنهى الأسبوع على انخفاض يقارب 1.6%، فإن السوق المصرية تحركت في الاتجاه المعاكس، ويرجع ذلك إلى وجود علاوة سعرية محلية تتجاوز السعر العادل، بالإضافة إلى تحسن الطلب من جانب المستهلكين والمستثمرين.
كما أسهم استقرار سعر صرف الدولار الرسمي بالقرب من مستويات 49.60 جنيه في الحفاظ على مستويات الأسعار المرتفعة، بينما فضّل عدد من التجار الاحتفاظ بالمعدن الأصفر تحسبًا لتحركات جديدة خلال الأيام المقبلة، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السعر المحلي والسعر المرتبط بالبورصات العالمية.
على الصعيد العالمي، تعرض الذهب لضغوط قوية طوال الأسبوع نتيجة استمرار قوة الدولار الأمريكي وارتفاع العوائد على سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يقلل من جاذبية الاستثمار في الذهب باعتباره أصلًا لا يحقق عائدًا دوريًا.
وخلال الأسبوع هبطت أوقية الذهب إلى مستويات قاربت 3959 دولارًا قبل أن تعوض جزءًا من خسائرها مع نهاية التداولات لتغلق فوق مستوى 4000 دولار، مدعومة بانخفاض الدولار بعد صدور بيانات التضخم الأمريكية التي جاءت أقل من توقعات الأسواق.
ويرى محللون أن الأسواق انتقلت خلال الأشهر الأخيرة من التركيز على المخاطر الجيوسياسية إلى التركيز بشكل أكبر على قرارات الفائدة الأمريكية وتحركات الدولار، وهي العوامل التي أصبحت المحرك الرئيسي لأسعار الذهب.
الذهب يسجل خسائر شهرية منذ بداية العام
ورغم الارتفاع الأخير، فإن الذهب لا يزال يسجل أداءً سلبيًا على المدى القصير، إذ يقترب من إنهاء شهر يونيو بخسائر تقارب 10% مقارنة ببداية الشهر.
كما تراجعت الأسعار منذ مطلع عام 2026 بأكثر من 5%، بينما لا تزال الأوقية تتداول بأقل من أعلى مستوى تاريخي سجلته خلال شهر يناير الماضي بفارق يتجاوز 27%، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها المعدن الأصفر خلال الأشهر الأخيرة.
ويرجع هذا التراجع بصورة أساسية إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، الأمر الذي دفع شريحة من المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في الذهب والاتجاه نحو أدوات مالية تحقق عوائد أعلى.
يرى خبراء الأسواق أن مستوى 4000 دولار للأوقية يمثل حاليًا أهم منطقة دعم نفسية وفنية، ففي حال تمكن الذهب من الحفاظ على التداول أعلى هذا المستوى، فقد تصبح الطريق مهيأة لاستهداف مستويات 4100 ثم 4200 دولار خلال الفترة المقبلة، أما في حالة كسر هذا الدعم فقد تعود الضغوط البيعية مجددًا، بما قد يدفع الأسعار إلى تسجيل مستويات أقل.
ولهذا يترقب المستثمرون بيانات سوق العمل الأمريكية خلال الأسبوع المقبل، إذ من المتوقع أن يكون لها تأثير مباشر على توقعات أسعار الفائدة ومن ثم حركة الذهب عالميًا.
وتباينت توقعات المؤسسات المالية العالمية بشأن مستقبل الذهب خلال الأشهر المقبلة، حيث خفض بنك جولدمان ساكس توقعاته لسعر الأوقية بنهاية عام 2026 إلى نحو 4900 دولار، بينما رجح دويتشه بنك تداول الذهب بالقرب من 4300 دولار خلال الربع الثالث قبل أن يعاود الصعود إلى حوالي 4800 دولار في الربع الأخير من العام.
في المقابل، لا تزال مؤسسات استثمارية كبرى مثل جي بي مورجان أكثر تفاؤلًا على المدى الطويل، مع توقعات تشير إلى إمكانية اقتراب الذهب من مستوى 6000 دولار للأوقية إذا استمرت البنوك المركزية في تعزيز احتياطياتها وواصلت التوترات الاقتصادية والجيوسياسية دعم الطلب على المعدن النفيس.
ويرى عدد من المتابعين للسوق أن المرحلة الحالية لا تعني بالضرورة بداية موجة صعود قوية، وإنما تعكس فترة من التقلبات الحادة التي قد تستمر لبعض الوقت، ولهذا يظل الشراء التدريجي هو الخيار الأكثر أمانًا بالنسبة للراغبين في الاستثمار طويل الأجل، حيث يساعد تقسيم السيولة على أكثر من عملية شراء في تقليل مخاطر الدخول عند مستويات مرتفعة.
كما أن استمرار مشتريات البنوك المركزية وارتفاع الديون العالمية وتزايد المخاوف الاقتصادية لا تزال عوامل تمنح الذهب دعمًا قويًا على المدى البعيد، حتى وإن تعرض لتراجعات مؤقتة نتيجة تغيرات أسعار الفائدة أو قوة الدولار.
ماذا ينتظر سوق الذهب خلال الأيام المقبلة؟
ومن المتوقع أن تبقى أسعار الذهب شديدة الحساسية لأي بيانات اقتصادية أمريكية جديدة، خاصة تلك المتعلقة بالتضخم وسوق العمل وقرارات الاحتياطي الفيدرالي.
وفي السوق المصرية، قد تستمر الأسعار في التحرك صعودًا إذا استمر الطلب المحلي وواصلت العلاوة السعرية اتساعها، إلا أن احتمالات التذبذب ستظل قائمة بقوة، وهو ما يجعل إدارة المخاطر ومتابعة تطورات الأسواق العالمية أمرًا ضروريًا قبل اتخاذ أي قرار بالشراء أو البيع.
وبشكل عام، لا تشير التحركات الحالية إلى انتهاء الاتجاه الصاعد طويل الأجل للذهب، لكنها تؤكد أن السوق تمر بمرحلة إعادة تسعير تعتمد بصورة كبيرة على السياسة النقدية الأمريكية، وقوة الدولار، وعوائد السندات، إلى جانب حجم الطلب الاستثماري العالمي، وهي عوامل ستحدد شكل السوق خلال الفترة المقبلة.