اعتبرت شبكة "سي إن إن" الأمريكية أن الضربات الإيرانية الأخيرة ضد إسرائيل تمثل واحدة من أكثر المحاولات جرأة لإعادة رسم حدود المواجهة بين الجانبين، في صراع ظل لعقود يعتمد على الحروب بالوكالة والعمليات السرية والردود المحسوبة.
ورأت الشبكة أن استهداف إسرائيل جاء في سياق الرد على الهجمات التي تعرض لها لبنان، في رسالة مفادها أن طهران باتت مستعدة لتوسيع نطاق ردودها وتحمل مخاطر أكبر دفاعًا عن حلفائها ومصالحها الإقليمية.
اتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار
وأشار التحليل إلى أنه منذ وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 أبريل، اتهمت طهران مرارًا كلًا من واشنطن وتل أبيب بتقويض الهدنة عبر تنفيذ عمليات عسكرية، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة نفذت ضربات ضد أهداف إيرانية رغم استمرار المفاوضات غير المباشرة، بينما واصلت إسرائيل شن آلاف الغارات في لبنان، بما في ذلك العاصمة بيروت، رغم القيود التي فرضتها الهدنة.
ردود إيرانية وتحذيرات من توسيع الحرب
وبحسب التحليل، ردت إيران بسلسلة من الضربات الانتقامية المحسوبة ضد أهداف أمريكية وخليجية، مع التحذير من أنها مستعدة لتوسيع نطاق الحرب إذا فشلت المسارات الدبلوماسية، بما قد يهدد خطوط الملاحة الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط.
كما شهدت المنطقة تجددًا لتبادل إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بعد إسقاط مروحية أمريكية، وهو ما عكس استمرار هشاشة الوضع الأمني.
رسالة مباشرة لإسرائيل
ورأت الشبكة أن الضربات الإيرانية الأخيرة ضد إسرائيل تعكس تحولًا إضافيًا في الاستراتيجية الإيرانية، إذ توحي بأن أي هجوم إسرائيلي على حلفاء طهران في المنطقة قد يقابله رد مباشر من إيران نفسها، في محاولة لكسر الجمود الدبلوماسي ودعم حلفائها الإقليميين.
وفي هذا السياق، نقلت عن كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف قوله إن إيران "قلبت معادلة وقف إطلاق النار الموجودة على الورق"، مؤكدًا استمرار الرد الإيراني حتى تتوافر إرادة حقيقية لبناء الثقة.
كما شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن بلاده لن تقبل باستمرار الهجمات الإسرائيلية والأمريكية في ظل ما تصفه بانتهاك متكرر للهدنة.
تحول في النهج الإيراني
وأشار تحليل "سي إن إن" إلى أن التطورات الأخيرة قد تعكس تحولًا داخل القيادة الإيرانية، حيث يبدو أن جيلًا جديدًا من المسؤولين بات أكثر استعدادًا لاستخدام أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والإقليمية لتحقيق أهدافه، بدلًا من الاكتفاء بسياسة الردع والصبر الاستراتيجي التي اتبعتها طهران لسنوات.
ونقلت الشبكة عن الدبلوماسي الأمريكي آرون ديفيد ميلر قوله إن الإيرانيين "وضعوا إسرائيل والولايات المتحدة في موقف صعب"، معتبرًا أنهم أصبحوا أكثر استعدادًا للمخاطرة ولا يرون أن وقف إطلاق النار يخدم مصالحهم في الوقت الراهن.
مقارنة بردود الفعل السابقة
واستعرض التقرير تطور أسلوب الرد الإيراني، مشيرًا إلى أن طهران لجأت عام 2020 إلى رد محسوب بعد اغتيال قاسم سليماني عبر استهداف قاعدة أمريكية في العراق مع تمرير تحذيرات مسبقة، كما اختارت في يونيو 2025 ردًا متناسبًا عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عليها.
لكن الضربات الأخيرة ضد إسرائيل، بحسب التحليل، قد تشير إلى تغير في الحسابات الإيرانية واستعداد أكبر لتجاوز القيود السابقة.
فرض معادلة جديدة في المنطقة
ورأى عدد من المحللين الذين استند إليهم التقرير أن طهران تسعى إلى فرض معادلة جديدة تمنع إسرائيل من استهدافها أو استهداف حلفائها دون رد مباشر، في محاولة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة.
كما أشار التحليل إلى أن إيران قد تكون تراهن على استغلال التباينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن إدارة الصراع، خاصة بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد فيها أن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع طهران لا يزال ممكنًا.
ضغوط أمريكية لاحتواء التصعيد
وأوضح التقرير أن ترامب تحرك سريعًا بعد الهجوم الإيراني الأخير، وأجرى اتصالات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في محاولة لمنع تصعيد إضافي.
وفي المقابل، حملت إيران واشنطن مسؤولية ما وصفته بالأفعال الإسرائيلية، بينما أكد مسؤول عسكري إسرائيلي أن القوات الأمريكية لم تشارك في الهجمات على إيران، لكنها ساهمت في اعتراض الصواريخ الإيرانية.
واختتم التحليل بالإشارة إلى أن التطورات الأخيرة ربما منحت طهران ورقة ضغط إضافية في المشهد الإقليمي، وقد تؤدي إلى ترسيخ قواعد جديدة تحكم التوازنات والصراعات في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.