يواجه قطاع الصناعات الكيماوية في أوروبا أزمة متفاقمة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، وضعف الطلب العالمي، وتصاعد المنافسة الصينية، ما انعكس بصورة مباشرة على كبرى المراكز الصناعية وعلى رأسها ميناء روتردام الهولندي، أحد أهم موانئ الصناعات الكيماوية في العالم.
وكشفت صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية أن الضغوط المتزايدة دفعت شركتين من بين كل عشر شركات عاملة في الميناء إلى وقف نشاطهما خلال العام الماضي، في مؤشر واضح على هشاشة القطاع أمام التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
وزادت التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية من أعباء الصناعة، بعدما ساهمت في رفع تكاليف الطاقة وتقلب أسعار المواد الخام الأساسية، خاصة مادة “النفتا”، وهو ما أثر بشكل مباشر على أسواق الكيماويات النهائية وسلاسل الإنتاج الأوروبية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة “هانتسمان”، بيتر هانتسمان، إن ما يحدث يعكس حجم التأثر الأوروبي بالأزمات العالمية، بينما حذر محللون من أن أي تهدئة مستقبلية قد تعيد القطاع إلى أزماته الأساسية، بما قد يدفع نحو موجة جديدة من إغلاق المصانع واضطراب سلاسل التوريد المتكاملة.
وفي السياق ذاته، حذرت إيفون فان دير لان، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة “ليونديل باسيل”، من أن استمرار إغلاق المصانع قد يقود إلى انهيار أجزاء واسعة من منظومة الصناعات الكيماوية الأوروبية، خاصة في ظل الترابط الكبير بين الشركات والمجمعات الصناعية.
وأشارت الصحيفة إلى أن قرار شركة “ميتسوبيشي” بوقف إنشاء وحدة لإنتاج مادة “إم إكس دي إيه” المستخدمة في الطلاءات المتطورة الخاصة بالسفن، يعكس حجم التراجع الذي يشهده القطاع في أوروبا.
وبحسب تقرير صادر عن رابطة الصناعات الكيميائية الأوروبية “سيفيك”، تضاعفت وتيرة إغلاق المصانع في أوروبا ست مرات خلال أربع سنوات، ما أدى إلى فقدان نحو 10% من الطاقة الإنتاجية للقارة، وتأثر ما يقرب من 20 ألف وظيفة بشكل مباشر.
كما سجل الاستثمار في قطاع الكيماويات الأوروبي تراجعًا تجاوز 80% خلال العام الماضي، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا الاتجاه يهدد مستقبل الصناعة بالكامل.
ويرى قادة الصناعة أن ارتفاع تكاليف الطاقة في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة والصين، إلى جانب بطء إجراءات التراخيص، وتقادم البنية التحتية، والتشريعات البيئية الصارمة، تمثل أبرز العقبات أمام استمرار الإنتاج، خاصة للمواد الأساسية المستخدمة في تنقية المياه وصناعة الإلكترونيات والسيارات.
وأظهرت جائحة “كوفيد-19” حجم اعتماد أوروبا على الواردات الصينية في بعض المركبات الكيميائية الحيوية، بعدما واجهت القارة صعوبات في إنتاج أدوية أساسية مثل “الباراسيتامول” نتيجة الاعتماد على المواد الفعالة المستوردة.
وأكد المدير العام للاتحاد الأوروبي للصناعات الكيميائية “سيفيك”، ماركو مينسينك، أن العديد من الشركات باتت على حافة الانهيار، داعيًا إلى إعادة بناء القدرات الإنتاجية الأوروبية لحماية الأمن الصناعي والاستقلال الاقتصادي.
وتبرز أزمة “تجمع الكلور” في روتردام كنموذج لحالة الترابط داخل القطاع، إذ أدى إغلاق بعض المنشآت إلى تراجع الطلب على منتجات شركات أخرى، ما خلق ضغوطًا إضافية قد تدفع المزيد من المصانع إلى الإغلاق وتحمل تكاليف استيراد مرتفعة.
ولفتت “فاينانشيال تايمز” إلى أن الأزمة لا تقتصر على روتردام فقط، بل تمتد إلى مراكز صناعية أوروبية أخرى مرتبطة بشبكات إنتاج مشتركة، تشمل مناطق صناعية في بلجيكا وألمانيا تخدم قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات.
وشبّه ماتياس بيرنينجر، أحد قيادات الصناعة الكيماوية الأوروبية، الوضع الحالي بلعبة “برج جينجا”، معتبرًا أن غياب الاستثمار والدعم الكافي يهدد بانهيار منظومة استغرق بناؤها عقودًا طويلة.
كما اعتبرت الصحيفة أن بريطانيا تمثل نموذجًا تحذيريًا لما قد تواجهه أوروبا، بعد التراجع الكبير الذي أصاب قطاعها الكيميائي نتيجة سنوات من ضعف الاستثمار وفشل السياسات الصناعية.
وتشير التوقعات الحديثة إلى انخفاض إنتاج المواد الكيميائية في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنسبة 2.2% بحلول عام 2026، وسط مخاوف متزايدة من استمرار الضغوط المرتبطة بالطاقة والتشريعات والتنظيمات البيئية.
ورغم تحقيق فائض تجاري خلال 2025، فإن هذا الفائض جاء مدفوعًا بقطاع الكيماويات المتخصصة، في حين واصلت المواد الأساسية اللازمة للصناعة تسجيل تراجع ملحوظ، ما يثير تساؤلات حول مستقبل القاعدة الصناعية الأوروبية وقدرتها على المنافسة عالميًا.