تتصاعد حالة من القلق داخل العواصم الأوروبية مع تزايد المؤشرات على استئناف الاتصالات الدبلوماسية المباشرة بين واشنطن وموسكو بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا، وتخشى القارة العجوز أن تجد نفسها خارج حسابات التسوية، لتتحول إلى مجرد متلقى لاتفاقات تصاغ بعيدا عنها، رغم أن تداعياتها ستمس مباشرة أمنها وحدودها ومستقبل حلف شمال الأطلسي.

ترامب يدفع نحو التفاوض وأوروبا تترقب
وكشفت صحيفة "لا راثون" الإسبانية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى لدفع مسار التفاوض مع الكرملين، وهو ما أثار مخاوف الحكومات الأوروبية من أن تتحول إلى طرف هامشي يتلقى نتائج اتفاقات لا يشارك في صناعتها، رغم أنها ستتحمل الجانب الأكبر من تبعاتها الأمنية والاقتصادية.
انقسامات أوروبية حول آلية التأثير
وسلطت صحيفة "إيه بي سي" الإسبانية الضوء على الانقسامات داخل القارة حول كيفية التأثير في المفاوضات، موضحة أن القلق لا يتعلق بمستقبل أوكرانيا فقط، بل باحتمال اتخاذ قرارات تمس الأمن الأوروبي وترتيبات الناتو دون مشاركة أوروبية مباشرة، خاصة مع إصرار موسكو على أن مشاركة الاتحاد الأوروبي ليست ضرورية في المفاوضات الثلاثية المرتقبة.

معضلة التمثيل.. هل تتحدث E3 باسم القارة؟
تتمثل المعضلة في امتلاك واشنطن وموسكو قنوات اتصال مباشرة، بينما تبحث أوروبا عن صيغة لحضورها، وترى واشنطن وكييف أن مجموعة E3 التي تضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا هي المرشح الأبرز لتمثيل القارة، وهو تصور يثير قلق الدول الصغرى التي تخشى تهميشها، كما يظل دور مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسها غير محسوم، وسط حديث عن استئناف المفاوضات الفنية في نوفمبر المقبل.
اتصالات منفردة مع بوتين تفضح الخلاف
لم تقتصر الأزمة على التمثيل، بل امتدت إلى طريقة التعامل مع موسكو، حيث أثارت اتصالات الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره مع الرئيس فلاديمير بوتين انتقادات حادة، ويرى مؤيدوها أنها محاولة لإيصال الصوت الأوروبي مباشرة للكرملين، بينما يرى منتقدوها أنها تمنح موسكو فرصة لاستغلال التباينات، وتكشف عن سؤال جوهري: هل تعود أوروبا للحوار أم تواصل الضغط؟
صفقات الطاقة ونورد ستريم.. ما وراء أوكرانيا
وتتجاوز المخاوف ملف الأراضي الأوكرانية إلى التفاهمات الاقتصادية المحتملة بين واشنطن وموسكو، والتي قد تشمل أصول شركة لوك أويل والتكنولوجيا النووية والغاز المسال في القطب الشمالي واحتمالات إعادة تشغيل خط نورد ستريم، وهو ما يثير قلقا من تغيير موازين الطاقة في القارة بعد أن تحملت أوروبا تكلفة إعادة هيكلة إمداداتها بعيدا عن الغاز الروسي، بالإضافة إلى ملف الأصول الروسية المجمدة.

أوراق بروكسل للضغط واختبار الاستقلال
ورغم مخاوف التهميش، تمتلك أوروبا أوراقا مؤثرة تتمثل في العقوبات والأصول المجمدة ومسار انضمام أوكرانيا للاتحاد، وهي أدوات تمنحها نفوذا لكنها تحتاج لموقف موحد، وقد أكد قادة الاتحاد في قمتهم منتصف أكتوبر أن لأوروبا دورا أساسيا في أي تسوية، مع التمسك بمبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة.
ومع اقتراب الشتاء وتصاعد الهجمات على البنية التحتية الأوكرانية، تدرك أوروبا أنها أمام اختبار حقيقي لطموحها في الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن، فإذا تمت التسوية دونها، ستجد نفسها أمام ترتيبات لم تصغها لكنها مطالبة بتحمل نتائجها.