لم يكن تأسيس هيئة اتحاد المهندسين الزراعيين العرب سنة 1968 بمصر مجرد حدث عابر في سجل الهيئات المهنية العربية، بل كان تعبيرًا عن حلم كبير آمن به جيل من المهندسين الزراعيين العرب؛ جيل أدرك مبكرًا أن الزراعة ليست مجرد مهنة، وأن الأمن الغذائي والتنمية الزراعية لا يمكن أن تتحقق إلا بتكامل الخبرات وتبادل المعرفة وتوحيد الجهود بين أبناء الوطن العربي.
في ذلك الزمن، كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: أن يجتمع المهندس الزراعي العربي بأخيه العربي، وأن تكون المهنة جسراً للتعاون، والعلم وسيلة للتنمية، والخبرة أداة لخدمة الأرض والإنسان.
ومن هنا جاءت أهداف الهيئة نبيلة وواضحة؛ توثيق أواصر التعاون بين المهندسين الزراعيين العرب، وتبادل الخبرات والتجارب العلمية والمهنية، وتشجيع البحث العلمي، والمساهمة في تطوير الزراعة العربية، والدفاع عن مكانة المهندس الزراعي ودوره في بناء الاقتصاد وتحقيق الأمن الغذائي.
كان الاتحاد، في جوهر الفكرة، بيتًا مهنيًا عربيًا يجتمع تحت سقفه أصحاب الاختصاص، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، ومفتوحًا أمام كل من يؤمن بأن مستقبل الزراعة العربية لا يُبنى إلا بالعلم والكفاءة والتعاون.
ثم جاءت سنوات السبعينيات، وحملت معها ظروفًا سياسية وأمنية صعبة في مصر، الأمر الذي دفع إلى نقل مقر الاتحاد إلى دمشق. وكان يفترض أن يكون انتقال المقر مجرد انتقال إداري فرضته الظروف، بينما تبقى رسالة الاتحاد وأهدافه ومبادئه ثابتة لا تتغير.
لكن، وكما يحدث أحيانًا مع المؤسسات التي تقوم على أفكار نبيلة، لم تبقِ الأيام الأمور على حالها.
فمع مرور الزمن، بدأت تظهر داخل الاتحاد حسابات أخرى، وبدأت تتقدم على حساب المهنة طموحات أشخاص رأوا في المؤسسة أكثر من كونها فضاءً مهنيًا وعلميًا؛ رأوا فيها موقعًا يمكن الاستئثار به، ونفوذًا يمكن توظيفه، وواجهة يمكن استخدامها لخدمة قضايا وأجندات لا تمت بصلة مباشرة إلى جوهر الرسالة التي من أجلها تأسس الاتحاد.
وهنا بدأت القصة الحقيقية…
قصة مؤسسة كان يفترض أن تكون للزراعة والمهندس الزراعي والعلم والتنمية العربية، فإذا بها، شيئًا فشيئًا، تدخل في مسارات أخرى، ويصبح اسمها أحيانًا وسيلة لدعم قضايا لا علاقة لها بالمهنة، بينما يتراجع السؤال الأهم:
أين المهندس الزراعي العربي من كل هذا؟
وأين الزراعة العربية؟
وأين الأهداف التي من أجلها اجتمع المؤسسون الأوائل سنة 1968؟
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة مهنية ليس اختلاف الآراء، ولا تغير الأشخاص، ولا حتى انتقال المقر من بلد إلى آخر؛ وإنما أن تفقد بوصلتها، وأن يتحول الموقع الذي أُنشئ لخدمة المهنة إلى غاية في حد ذاته.
وهكذا، بدأت المسافة تكبر شيئًا فشيئًا بين فكرة الاتحاد كما أرادها المؤسسون، وبين واقع الاتحاد كما أصبح يُمارس لاحقًا.
ومن هنا تبدأ حكاية أخرى…
حكاية الاستئثار، وتراجع الدور المهني، ومحاولات توظيف مؤسسة عربية مهنية في غير ما أُنشئت من أجله.
بقلم/ المهندس الزراعي منيب اوبيري رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين بالجزائر