عزيزي القارئ، قبل أن تستشيط غضباً وتتهمني بالتقليل من قيمة نجوم التسعينات، دعني أوضح لك الأمر بهدوء، وبعدها احكم كما تشاء.
في الماضي، قبل نحو خمسة وعشرين أو ثلاثين عاماً، كانت رحلة الأغنية إلى الجمهور بسيطة جداً ومحددة المسار. لم يكن هناك سوى طريقين لا ثالث لهما، شريط الكاسيت الذي تشتريه من محل معروف، أو كليب يُعرض في التليفزيون، وتحديداً في القناة الأولى والثانية.
وما كان يُعرض في القناة الأولى والثانية، كان يشاهده الجمهور كله في نفس اللحظة. لم تكن هناك مئات القنوات ولا منصات بديلة. المجتمع كله كان يجلس أمام نفس الشاشة، ينتظر نفس البرنامج، ويستمع لنفس الأغنية في نفس التوقيت. إذن الجمهور كان منتبهاً ومستيقظاً ومهيأ تماماً لتلقي المادة الفنية التي ستُقدم له. لم يكن لديه خيار آخر، كان سيبتلع الطعام الموضوع أمامه، لأنه لا يوجد بديل على المائدة.

حتى شريط الكاسيت نفسه، رغم ما كان يبدو عليه من تنوع، كانت اختياراته محدودة للغاية. عدد المطربين والمطربات كان يُعد على أصابع اليدين، والاستايل الغنائي كان يكاد يكون واحداً، والاختلافات بين مطرب وآخر كانت قليلة وبسيطة. المنافسة كانت محصورة في إطار ضيق جداً، والنجاح كان ملحوظاً وسهلاً ومضموناً، لعامل أهم من كل العوامل، أنه لا بدائل متاحة أمام المستمع.
وكانت مواسم طرح الشرائط معلومة ومحفوظة للجميع، أهمها موسم عيد الفطر وموسم عيد الأضحى وموسم الصيف. كانت شركات الإنتاج تنتظر هذه المواسم لتطرح بضاعتها، وكان العدد الكلي المطروح في الموسم الواحد لا يتجاوز عشرة أو عشرين شريطاً على أقصى تقدير. عدد يستطيع المستمع العادي بمنتهى البساطة أن يشتريها كلها ويسمعها كلها في أسبوع واحد. كان السوق هادئاً، والوقت متسعاً، والآذان كلها مصغية.
أما الآن، فالصورة انقلبت تماماً.
في ظل كثرة المنصات وتعدد مواقع التواصل، وفي ظل الظروف الصعبة ودوامة الحياة التي نعيشها جميعاً، أصبح من المستحيل أن تتابع حتى جزءاً صغيراً من الكم الهائل من الأغاني التي يتم إنتاجها يومياً. نحن نتحدث عن مئات الأغاني الجديدة التي تُرفع كل ساعة على يوتيوب وتيك توك وأنغامي وسبوتيفاي وفيسبوك وإنستجرام.
لن تستطيع التركيز وكيف ستركز وهناك سيل لا ينتهي من الاستايلات المختلفة التي تلاحقك على كل بلات فورم؟ وكل لون يحاول خطف أذنك في نفس الثانية. المستمع اليوم مشتت ومرهق ومحاصر بالضجيج طوال اليوم، ولا يملك رفاهية الإنصات الكامل كما كان يملكها في الماضي.
لذلك أصبحت الأغنية التي تحقق اليوم نجاحاً وانتشاراً حقيقياً تستحق أن نقف لها ونصفق طويلاً لمؤديها وصناعها. لأنها لم تنجح في فراغ، بل نجحت في معركة شرسة. استطاعت أن تجذب الانتباه وتخطف الأذن وسط هذه الزحمة الخانقة والضجيج المحيط بنا من كل اتجاه.
والدليل على ذلك، أن كثيراً من نجوم التسعينات الكبار، الذين أمتعونا لسنوات طويلة، ما زالوا يغنون إلى الآن، ومسيرتهم تجاوزت الأربعين عاماً، وما زالوا يطرحون أعمالاً جديدة ومحترمة، ولكنها للأسف لا تحصد نفس نجاح الماضي ولا نفس الانتشار المستحق. ليس عيباً فيهم، بل لأن الجمهور تغير. الجمهور الآن أغلبه من المراهقين والشباب صغار السن، لهم ذائقتهم الموسيقية الخاصة ولغتهم المختلفة، التي لا تناسبها بالضرورة ما يقدمه نجوم الماضي.
الاستثناء الوحيد، فنان بحجم وذكاء عمرو دياب، الذي استطاع بذكاء شديد أن يستمر ويتواصل مع الأجيال الجديدة، وأن يطور من أغانيه وموسيقاه وتوزيعاته لتناسب روح كل زمن، وفي كل مرة يحقق نجاحاً يثبت أنه يمتلك سر الخلطة، ويعرف جيداً "ما يطلبه المستمعون"
خلاصة القول، النجاح في الماضي كان سهلاً لأنه كان مضمون المشاهدة، أما النجاح الآن فهو صعب جداً، وحين يتحقق يعتبر إنجازاً حقيقياً.
جميل أن نتذكر الماضي الجميل وذكرياته السعيدة، ولكن الأجمل أن نعيش زمننا الحالي ونفهم أدواته ونصنع الجمال الذي نعيشه اليوم، حتى يصبح غداً هو الذكرى الجميلة التي نتذكرها.
