شهدت أسعار الذهب في السوق المصرية خلال 2026 موجة صعود قوية أعقبتها حركة تصحيح، في ظل تداخل عدة عوامل محلية وعالمية، أبرزها التوترات الجيوسياسية، وتحركات سعر الدولار أمام الجنيه، إلى جانب قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتغيرات الطلب على المعدن النفيس.
وقال المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لشركة «آي صاغة»، إن السوق المصرية لا تتحرك بصورة مطابقة للذهب العالمي، موضحًا أن التسعير المحلي يتحدد وفق مجموعة من العوامل تشمل سعر الأوقية عالميًا، وسعر صرف الدولار، وحجم الطلب والمعروض في السوق.
وأوضح أن الذهب سجل قفزة قوية خلال الربع الأول من العام، مدفوعًا بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتحركات العملة الأمريكية، وهو ما عزز الإقبال على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، ليرتفع سعر جرام عيار 21 من 5840 جنيهًا في بداية يناير إلى 7475 جنيهًا عند القمة.
ومع تراجع حدة المخاوف الجيوسياسية وانخفاض العلاوة السعرية المحلية، دخل الذهب مرحلة تصحيح، ليتراجع عيار 21 إلى مستويات تدور حول 6280 جنيهًا، في حركة وصفها إمبابي بأنها إعادة تسعير للسوق بعد موجة ارتفاع استثنائية.
التوترات الجيوسياسية تدعم الذهب
كانت التطورات الجيوسياسية من أبرز العوامل التي دفعت أسعار الذهب للصعود، خاصة مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، الأمر الذي رفع مستويات القلق في الأسواق ودفع المستثمرين والمتعاملين إلى زيادة الطلب على الذهب.
ومع انخفاض حدة التوترات والتوصل إلى اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو، تراجعت علاوة المخاطر، ودخل المعدن الأصفر في موجة تصحيح، ليتحرك عيار 21 خلال الشهر في نطاقات تراوحت بصورة عامة بين 6100 و6300 جنيه.
الدولار والفيدرالي يحددان الاتجاه
ويمثل سعر الدولار مقابل الجنيه أحد أهم العوامل المؤثرة في أسعار الذهب داخل مصر، إذ ارتفع من مستويات تقترب من 47 جنيهًا في يناير إلى نحو 54.58 جنيه في نهاية مارس، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى نطاق يتراوح بين 51.27 و51.41 جنيه خلال سبتمبر.
وفي الوقت نفسه، تترقب الأسواق قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب بيانات التضخم والوظائف، باعتبارها مؤشرات رئيسية على اتجاه أسعار الفائدة، ومن ثم تأثيرها على الذهب.
ومع اقتراب اجتماع الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر، تزداد حساسية سوق الذهب تجاه أي إشارات جديدة بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
وبحسب البيانات الواردة في التحليل، ارتفع التضخم الأمريكي خلال أغسطس بنسبة 0.4% على أساس شهري، فيما سجل المعدل السنوي نحو 3.4%، وهو ما يضع الذهب أمام تأثيرات متباينة بين زيادة الطلب عليه للتحوط من التضخم، والضغوط الناتجة عن احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة.
فجوة بين السعر المحلي والعالمي
وسجلت السوق المصرية خلال فترات التوتر فجوة ملحوظة بين السعر المحلي للذهب والمستويات النظرية المحسوبة وفق سعر الأوقية عالميًا وسعر الصرف، ووصلت في إحدى الفترات إلى نحو 404 جنيهات، بما يعادل 6.22%.
وأرجعت «آي صاغة» هذه الفجوة إلى زيادة الطلب المحلي، والمخاوف المتعلقة بالمعروض، إلى جانب رغبة المتعاملين في التحوط من موجات صعود جديدة.
ومع عودة السوق إلى مستويات أكثر توازنًا، تراجعت الفجوة، ليستقر متوسطها الإيجابي خلال الفترة الأخيرة عند مستويات تتراوح بين 1.2% و1.5%.
الذهب يتراجع من القمة لكنه يحقق مكاسب سنوية
ورغم انخفاض سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 1195 جنيهًا من أعلى مستوى سجله عند 7475 جنيهًا، فإنه لا يزال أعلى من مستواه في بداية العام بنحو 440 جنيهًا.
وسجل عيار 21 نحو 6280 جنيهًا في 13 سبتمبر، محققًا زيادة بنسبة 7.53% منذ بداية العام.
وعلى المستوى العالمي، تراوح سعر الأوقية في اليوم نفسه بين نحو 4348 و4408 دولارات، بينما تشير الحسابات النظرية، وفق سعر صرف يقارب 51.41 جنيه للدولار ونسبة نقاء عيار 21، إلى نطاق يتراوح بين 6150 و6230 جنيهًا للجرام قبل إضافة العوامل المحلية وتكاليف التداول.
توقعات بتحركات عرضية للذهب
وترى «آي صاغة» أن الذهب عيار 21 يتحرك حاليًا داخل نطاق عرضي مع ميل هبوطي محدود، مع اعتبار مستويات 6200 إلى 6400 جنيه نطاقًا مهمًا لحركة السعر على المدى القصير.
وتظل تحركات الذهب خلال الفترة المقبلة مرتبطة بصورة كبيرة بقرارات الفيدرالي الأمريكي وبيانات التضخم والوظائف، إلى جانب أي تطورات جديدة على الساحة الجيوسياسية.
وفي المقابل، فإن عودة التوترات العالمية أو تراجع الدولار قد يمنحان الذهب دفعة جديدة، بينما يمكن لاستمرار قوة الدولار وارتفاع أسعار الفائدة أن يزيدا الضغوط على المعدن النفيس ويمددا موجة التصحيح.