قال الدكتور يسري الشرقاوي، الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، إن الاقتصاد غير الرسمي يوفر فرصًا سريعة لكسب الرزق، لكنه في المقابل يضعف الرقابة، ويُسقط مظلة الضمان، ويُخرج المهنة من دوائر التدريب والتأهيل والشهادة والمساءلة.
الاقتصاد غير الرسمي.. رزق سريع بتكلفة اقتصادية مرتفعة
وأضاف الشرقاوي أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي لا يمثل مجرد تحدٍ رقابي، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الإنتاج وكفاءة سوق العمل، موضحًا أن غياب الأطر المنظمة للتدريب والممارسة المهنية يحد من فرص بناء عمالة ماهرة قادرة على تلبية احتياجات الصناعة.
وأشار إلى أن انعكاسات هذه الفجوة تظهر بوضوح في الناتج المحلي الإجمالي، الذي يعتمد جانب من نموه على التوسع العددي أكثر من اعتماده على رفع جودة ساعة العمل وزيادة الإنتاجية، وهو ما يؤدي إلى قاعدة ضريبية أضيق، فضلًا عن ارتفاع تكلفة إعادة العمل والفاقد والخسائر الناتجة عن رداءة المنتج.
وأوضح الشرقاوي أن التعليم الفني، الذي يفترض أن يمثل المصنع الأساسي لإنتاج العمالة الماهرة والإتقان المهني، يواجه تناقضًا حادًا؛ إذ يلتحق به أكثر من مليوني طالب، بينما بلغت نسبة النجاح العامة في الدبلومات الفنية، خلال إحدى الدورات الأخيرة، نحو 70.5%، وهبطت في مسار الإعداد المهني إلى قرابة 32.5%.
وأكد أن هذه المؤشرات تعكس مشكلة أعمق من مجرد نسب نجاح ونتائج امتحانات، إذ تعني أن مسار المهنة نفسه لا يزال يخرج أعدادًا من الشباب غير المهيئين بصورة كافية للعمل داخل مصنع حقيقي أو بيئة إنتاجية تتطلب مهارات عملية وانضباطًا مهنيًا.
ولفت إلى أنه في الوقت ذاته تراجع الإنفاق على التعليم إلى نحو 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة 2024/2025، بعدما كان يتجاوز 2% قبل سنوات، بالتزامن مع عجز مزمن في أعداد المعلمين وارتفاع كثافات الفصول.
وأشار إلى أن هذه الضغوط المتراكمة تضعف قدرة منظومة التعليم والتدريب على تحويل الإنفاق التعليمي إلى مهارات حقيقية تلبي احتياجات سوق العمل، خصوصًا في القطاعات الصناعية والإنتاجية التي تعتمد بصورة أساسية على العمالة الفنية المؤهلة.
وأوضح الشرقاوي أن انخفاض معدل البطالة الكلية إلى نحو 6.2% في أواخر عام 2025 لا يعني بالضرورة نجاح سوق العمل في توفير الوظائف النوعية المطلوبة، خاصة أن بطالة الحاصلين على مؤهل جامعي ظلت قرب 12.6%.
وأضاف أن استمرار هذه الفجوة يؤكد أن الحصول على الشهادة لا يتحول تلقائيًا إلى مهارة قابلة للبيع في سوق العمل، مشددًا على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص أعداد الخريجين، وإنما في نقص المهارات والصنعة والقدرة على الإنتاج.
واختتم الشرقاوي بالتأكيد على أن إصلاح سوق العمل لا يمكن أن يعتمد على زيادة أعداد الخريجين فقط، وإنما يتطلب إعادة بناء منظومة التعليم الفني والتدريب المهني وربطها بصورة مباشرة باحتياجات الصناعة والإنتاج، بحيث يصبح الخريج قادرًا على ممارسة مهنة حقيقية والاندماج في سوق العمل بكفاءة.
وأكد أن المعادلة التي يجب العمل عليها خلال المرحلة المقبلة هي الانتقال من التركيز على عدد الخريجين إلى جودة المهارات، ومن مجرد الحصول على شهادة إلى امتلاك صنعة حقيقية ترفع الإنتاجية وتحسن جودة المنتج وتخفض الفاقد وتدعم تنافسية الاقتصاد.