يقدم المخرج الألماني فيم فيندرز تجربة سينمائية مختلفة في أحدث أفلامه الوثائقية «من الداخل إلى الخارج – عمارة بيتر زومتور»، الذي يستخدم تقنية ثلاثية الأبعاد لاستكشاف أعمال المهندس المعماري السويسري «بيتر زومتور»، ويحول فيندرز الشاشة إلى مساحة بصرية تكشف تفاصيل المباني وعلاقتها بالإنسان بطريقة تجعل العمارة جزءاً من التجربة نفسها.
ونقلاً عن موقع "Variety" يستغرق الفيلم نحو ساعتين في تعريف المشاهد بطريقة خاصة لمتابعة تفاصيل أعمال زومتور، قبل أن تتضح أهمية هذا الأسلوب تدريجياً ويكشف الفيلم في ثلثه الأخير عن مجموعة من أكثر التجارب البصرية تأثيراً، حيث تتقاطع أفكار زومتور حول وظيفة المباني مع التجربة الإنسانية للأشخاص الذين يعيشون داخلها أو يزورونها.
يبدأ «من الداخل إلى الخارج» بصور لزوايا مقعرة وأسطح محدبة وأشكال معمارية تبدو ككتل متكاملة، هذه البداية تثير فضول المشاهد قبل أن ينتقل الفيلم إلى مساحة أكثر أكاديمية ويظهر زومتور في البداية كصورة شبحية تنعكس على أسطح مبانيه الأنيقة والبسيطة، قبل أن تتضح أفكاره وطريقته في النظر إلى العمارة.
ويستعيد فيندرز في هذا السياق أسلوباً سبق أن استخدمه في فيلمه «أنسلم» الذي تناول أعمال النحات أنسلم كيفر بتقنية ثلاثية الأبعاد، وكما أصبحت كلمات الناجين من الهولوكوست جزءاً لا ينفصل عن المساحات التي ظهرت في ذلك الفيلم، تتحول أفكار زومتور هنا إلى عنصر أساسي في فهم الغرف والمباني التي تستكشفها الكاميرا وعلاقة كل مبنى بمحيطه.
تفاصيل فيلم «من الداخل إلى الخارج – عمارة بيتر زومتور»
يظهر زومتور لاحقاً في الفيلم بشخصيته الحقيقية وهو رجل متواضع في الثمانينيات من عمره وعلى الرغم من تكرار حديثه عن الشكل والوظيفة والانسيابية، فإن إخلاصه لفلسفته المعمارية وحكمته يتركان أثراً واضحاً ومع انتقال الكاميرا بين المنازل والمتاحف وغيرها من مشروعاته، تصبح طريقته في استخدام الضوء والمواد الطبيعية مهمة بقدر أهمية الأشخاص الذين يشغلون تلك المساحات.
ويقدم فيندرز أيضاً شخصيات تبدو كأنها أشباح من الماضي والمستقبل من خلال تمثيلات درامية لمسافرين فضوليين، وتأتي أصواتهم هامسة أثناء تجولهم في الأماكن، لتطرح أفكاراً متفرقة حول المساحات التي يقفون فيها ويمنح هذا الأسلوب الفيلم بعداً إضافياً، بحيث لا تصبح المباني مجرد موضوع للتصوير، بل أماكن تحمل ذكريات وتجارب إنسانية.
ويظهر جانب فكاهي في الفيلم من خلال إصرار زومتور أثناء تصميم أحد المنازل على رؤيته الخاصة في مواجهة تفضيلات صاحب المنزل، ومع ذلك ينتهي الأمر بالمهندس المعماري إلى إعطاء الأولوية للوظيفة رغم تقديره للجماليات التي يطرحها أصحاب المشروعات، إلى جانب تعاونه مع الحرفيين المحليين في تنفيذ أفكاره.
ومع استمرار الرحلة يوضح فيندرز أن قيمة مساحات زومتور ترتبط بما يدخل إليها وما يحدث بداخلها. ويقارن بين لقطات قديمة وحديثة لمتاحف صممها المهندس، وكل منها يمتلئ بأعمال وتركيبات فنية شخصية للغاية، يتناول بعضها موضوع الحرب ومن هنا يبدأ الفيلم في الربط بين العمارة والأشخاص والذكريات التي تتراكم داخل المكان.
ولا يقدم الفيلم حياة زومتور الشخصية باعتبارها المحور الأكثر إثارة للاهتمام وهو ما قد يجعل بعض أجزاء الاستكشاف تبدو سطحية في البداية، لكن هذا الأسلوب يتحول لاحقاً إلى جزء أساسي من بناء الفيلم، إذ يشبه تجربة الاقتراب من مبنى مميز من الخارج، ثم الدخول إلى ردهته قبل اكتشاف تفاصيله وأسراره تدريجياً.
وتصل تجربة الفيلم إلى ذروتها من خلال ثلاثة مشروعات لزومتور تبدو الأكثر تأثيراً في سياق العمل الأول منزل شخصي يرتبط بالمهندس بشكل وثيق، والثاني تركيب نورديب الاسكندنافي الذي شُيد تكريماً للنساء اللاتي قُتلن خلال محاكمات الساحرات، ويقدم تجربة مخيفة أثناء التجول بداخله وهو إحساس تعززه الصور ثلاثية الأبعاد التي نفذها فرانتس لوستيغ.
أما المشروع الثالث فهو المبنى الضخم الذي صممه زومتور ليضم المجموعة الدائمة في متحف لوس أنجلوس للتصوير الفني «LACMA»، ويخصص الفيلم مساحة واسعة لمتابعة مراحل تخطيط المبنى وإنجازه ليصبح المشروع بمثابة ذروة التجربة البصرية التي يحاول فيندرز تقديمها من خلال العمارة ثلاثية الأبعاد.
كيف تتحول عمارة زومتور إلى تجربة سينمائية؟
مع اكتمال المبنى وزيارته من جانب عدد من صناع الأفلام من بينهم «آفا دوفيرناي» و«فيرنر هيرتزوغ»، تتحرك كاميرا فيندرز داخل المساحات بالتوازي مع الأفكار المجردة التي يطرحها زومتور حول ضرورة أن تشعر الأعمال الفنية بالمساواة الأفقية، بحيث لا يمنح أي عمل أهمية أكبر أو أقل من غيره.
ويبدو المعرض الواسع وكأنه بلا بداية أو نهاية واضحة بينما تمتد منحنياته باستمرار وتكشف عن جيوب وغرف جانبية مصنوعة من الخرسانة الخشنة المكشوفة، وتتباين هذه المساحات مع الفخامة المطلية بالذهب لبعض الأعمال الفنية المعروضة، ما يمنح المشاهد تناقضاً بصرياً بين صرامة المبنى وروعة القطع الموجودة داخله.
ويحتاج المشاهد إلى بعض الوقت حتى يستوعب العلاقة بين بنية الفيلم وبنية العمارة التي يصورها فالفيلم نفسه يتحرك عبر انتقالات متعرجة تتراكم تدريجياً لتصنع إحساساً بالامتداد والانسياب والتجوال، قبل أن تتحول التجربة في نهايتها إلى نوع من التقدير الروحي للعالم المادي.
ويعتمد فيندرز على تقنية ثلاثية الأبعاد ليصنع توافقاً واضحاً بين موضوع الفيلم وشكله البصري فكما تمتلئ مساحات زومتور بالفن والقصص والأشخاص تحاول كاميرا المخرج أن تملأ المساحات التي تبدو صامتة وممتدة بالصدى بالتفاصيل والتجارب الإنسانية، بدلاً من الاكتفاء بعرض المباني من الخارج.
ورغم أن بعض المشاهد والتمثيلات قد تبدو متعرجة أو غير مباشرة فإنها تقود في النهاية إلى مجموعة من اللحظات التي تمنح الفيلم ثقله الحقيقي، ويصبح هذا الأسلوب جزءاً من فكرة العمل نفسها، حيث لا يكتفي فيندرز بتصوير العمارة وإنما يدعو المشاهد إلى اختبارها بصرياً والشعور بالمساحات من الداخل.
ولا يفرض الفيلم على المشاهد أن يتعامل معه باعتباره تجربة سهلة أو سريعة لكنه يستخدم الكاميرا ثلاثية الأبعاد لخلق علاقة وثيقة بين العمارة والسينما، ومع انتهاء الرحلة يترك «من الداخل إلى الخارج – عمارة بيتر زومتور» إحساساً متجدداً بقيمة العالم المادي وبالمكان الذي يشغله الإنسان داخله وهي النتيجة التي يصل إليها الفيلم بعد رحلة بصرية طويلة.
يذكر أن «من الداخل إلى الخارج – عمارة بيتر زومتور» يركز على أعمال المهندس السويسري بيتر زومتور، ويقدمها من خلال رؤية فيم فيندرز السينمائية وتقنية ثلاثية الأبعاد مع انتقال الفيلم بين المنازل والمتاحف والتركيبات الفنية والمشروع الضخم الخاص بمتحف «LACMA»، ليقدم العمارة باعتبارها تجربة إنسانية تتكشف تدريجياً من الداخل إلى الخارج.